حسناء ديالمة

189

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

خطابه ، وإنّ فيه وحشة لا يزيلها إلّا الأنس بكتابه ، وإن فيه قلقا وخوفا لا يؤمنه إلّا السكون إلى ما بشر اللّه به عباده ، وإنّ فيه فاقة لا يغنيها إلّا التزود من حكم القرآن وأحكامه » « 1 » . فقال أبو عبد اللّه : « من قرأ القرآن فهو غني ولا فقر بعده » « 2 » . ومن هذا المنطلق فقد كان يشجّع طلابه أن يلتزموا بقراءة خمسين آية في كل يوم « 3 » وأن لا يمنعهم أي شغل أو عمل من قراءة القرآن ، فقال : « ما يمنع التاجر منكم المشغول في سوقه إذا رجع إلى منزله أن لا ينام حتى يقرأ سورة من القرآن » « 4 » . ويعلّمهم في الوقت نفسه آداب القراءة ومنها : أن يدعوا اللّه ساعة يأخذون الكتاب العزيز للتلاوة هكذا : « اللّهم فاجعل نظري فيه عبادة وقراءتي فيه فكرا ، وفكري فيه اعتبارا واجعلني ممّن اتّعظ ببيان مواعظك فيه ، واجتنب معاصيك . . . ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذرا . . . » « 5 » . فإنّ القصد الأهم من التلاوة هو التدبر في كلام اللّه والتعلّم منه ، والذي يعتبر التعليم الذاتي ، وهو التعلّم المستمر الذي يلازم الإنسان طيلة حياته . فاتصال الفرد بالقرآن ومعانيه وما فيه من الحكم البالغة ، دعوة إلى هذا النوع من التعليم في كل زمان ومكان . على هذا ينبّه الصادق تلاميذه أن لا تكون قراءتهم قراءة سطحية فلا بدّ أن يشغل القارئ قلبه بمعاني ما يلفظ من القرآن ويفكر ، ويتأمل فيه حتى تكون قراءته قراءة واعية وعميقة . وعندما سأله رجل من كلابه أقرأ القرآن في ليلة ؟ قال : « لا ، إنّ القرآن لا يقرأ هذرمة « 6 » ولكن يرتّل ترتيلا ، فإذا مررت بآية فيها ذكر الجنة فقف عندها وسل اللّه عزّ وجلّ الجنة ، وإذا مررت بآية فيها ذكر النار فقف عندها وتعوذ باللّه من النار » « 7 » . يوجه الإمام بهذا أن لا تغفلوا عن معاني الآيات الكريمة وأهدافها السامية وأمرها ونواهيها ووعظها وزجرها ولا يجب أن يكون هدفكم ختم القرآن في أيام معدودة أو الإسراع في قراءة السورة والبلوغ إلى آخرها ، كأن آيات الجنّة ونعيمها وآيات جهنم وعذابها لا تعنيكم ! !

--> ( 1 ) سلمان بن عمر السنيدي ، تدبر القرآن ، البيان ، الرياض ، 1423 ، ص 18 . ( 2 ) الصدوق ، معاني الأخبار ، مؤسسة النشر الإسلامية ، إيران ، 1403 ، ص 279 . ( 3 ) المصدر نفسه والمكان نفسه . ( 4 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 2 ، ص 851 . ( 5 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 89 ، ص 207 . ( 6 ) السرعة في القراءة . ( 7 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب كم يقرأ القرآن ، ح 2 .