حسناء ديالمة

190

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

و - إظهار الافتقار إلى اللّه بالدعاء : الدعاء تعبير حيّ عن معنى العبودية والخضوع والخشوع الذي يتمثل في العبادة ، فهو يهزّ أعماق الإنسان بالشعور بوجود اللّه وحضوره في كل ملتقى للإنسان في ما يهمه من أمور الحياة وفي ما يثيره من شؤون الآخرة . وحقيقة الدعاء « استدعاء العبد ربه العناية واستمداده إياه المعونة وحقيقة إظهار الافتقار إليه وهو سمة العبودية وإظهار الذّلة » « 1 » . وبما أنّ النصوص الإسلامية مليئة ، بترغيب الناس إلى هذه العبادة ، فإن الإمام جعفر كمربّ للأمة أشاد بفضل الدعاء ، وأهاب بتلاميذه أن لا يتركوه في جميع أمورهم ، فقال : « عليكم بالدعاء فإنكم لا تقربون بمثله ، ولا تتركوا صغيرة لصغرها أن تدعوا بها أن صاحب الصغار هو صاحب الكبار » « 2 » . ولأن الدعاء ضمان للنفس من الغفلة والطغيان فقد كان الإمام يحض طلابه على ملازمته في كل حال بقوله : « ادع ولا تقل : إن الأمر قد فرغ منه ، إن عند اللّه عزّ وجلّ منزلة لا تنال إلا بمسألة » « 3 » . وللدعاء عند الصادق سجل خاص منطلق من القرآن والسّنّة يحوي فنونه وآدابه والأساليب التي ينبغي للمؤمن أن يلتزم بها حال الدعاء ، والقواعد التي عليه أن يراعيها عند المناجاة بين يدي رب العزّة وجبّار السماوات والأرض . ومنها قوله : « لا يستجيب الدعاء بظهر قلب ساه ، فإذا دعوت فاقبل بقلبك ثم استيقن الإجابة » « 4 » . فبكل هذه التوجيهات التربوية يريد أبو عبد اللّه أن يكون الدعاء عند طلابه أصلا إيمانيّا متينا ، بعيدا عن العادات والتقاليد الموروثة حتى تصبح عبادة واعية للّه تعالى . وتحريضه على الدعاء كمظهر من مظاهر العبادة ، لا ليتجمد الفرد ، بل لكي يتحوّل إلى طاقة مبدعة في الواقع العملي ، فينشط ويندمج بالحياة الإنسانية بكل قوة ووعي وثبات وعزم إيماني . وكذلك عاش الإمام مهتمّا بالعبادات كلّها من الفرائض والنوافل ، فهي عنده عمل تربوي غائي ومنهج تثقيفي فاعل يستطيع رفع المستوى الروحي للإنسان المؤمن إلى أعلى درجات اليقين والإيمان ، ولذلك دعا تلاميذه إلى ممارستها ، وحضّهم على

--> ( 1 ) فخر الدين الخطيب الرازي ، شرح أسماء اللّه الحسنى ، مكتبة الكليات الأزهرية ، مصر ، 1976 ، ص 83 . ( 2 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، كتاب الدعاء ، ح 6 . ( 3 ) المصدر نفسه والمكان نفسه ، ح 3 . ( 4 ) فضل بن حسن الطبرسي ، مكارم الأخلاق ، منشورات شريف الرضي ، ط 6 ، 1972 ، ص 270 .