حسناء ديالمة

187

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

ولقد ألمح الإمام الصادق إلى بعض المصالح التي تترتب على هذه الفريضة التي تعود بالخير العميم على المسلمين ، فقال : « إن اللّه تعالى خلق الخلق . . . وأمرهم ونهاهم ما يكون من أمر الطاعة في الدين ومصلحتهم من أمر دنياهم ، فجعل في الحج الاجتماع من المشرق والمغرب ، ليتعارفوا وليتربح كل قوم من التجارات من بلد إلى بلد ، ولينتفع بذلك المكاري والجمال » « 1 » . وتحدث الإمام في بعض الأحيان عن حكمة مناسك الحج لتوعية الناس وتبصيرهم بأسرارها الكامنة ، فعند ما سأله سفيان الثوري أنّ : يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لم جعل الموقف من وراء الحرم ؟ ولم يصيّر في المشعر الحرام ؟ فقال : « الكعبة بيت اللّه ، والحرم حجابه ، والموقف بابه . فلما قصده الوافدون أوقفهم بالباب يتضرعون ، فلما أذن لهم في الدخول ، أدناهم من الباب الثاني وهو المزدلفة . فلما نظر إلى كثرة تضرعهم وطول اجتهادهم رحمهم ، فلما رحمهم ، أمرهم بتقريب قربانهم ، فلما قربوا قربانهم ، وقضوا تفثهم وتطهّروا من الذنوب التي كانت حجابا بينه وبينهم ، أمرهم بزيارة بيته على طهارة . قال له : فلم كره الصوم أيام التشريق ؟ قال : « لأنهم في ضيافة اللّه ولا يحبّ للضيف أن يصوم » « 2 » . د - ضبط الأهواء والشهوات بالصيام : إنّ الصيام من بين العبادات ، خاصة عملية تدريب للإنسان على مقاومة شهواته والسيطرة عليها ، ففيها يمتنع الإنسان باختياره عن كثير من اللذائذ المباحة تعويدا على المجاهدة في طاعة اللّه ومران على المشاق في طريق العبودية . و « استمرار هذا التدريب مدة شهر كل عام بلا شك سيؤدي إلى تعليم الإنسان قوة الإرادة وصلابة العزيمة ، لا في التحكم بشهواته فقط ، إنّما في سلوكه العام في الحياة وفي القيام بمسؤولياته وأداء واجباته ومراعاة اللّه تعالى في كل ما يقوم به من أعمال » « 3 » . فالإمام جعفر يلفت الأنظار إلى هذا الغرض التربوي الكامن في حقيقة الصوم فيوسّع رؤية الناس بأنّ ثمرته لا بدّ أن تنعكس التزاما بالتقوى في كل الجوارح قائلا : « إذا أصبحت صائما فليصم سمعك وبصرك من الحرام ، وجارحتك وجميع

--> ( 1 ) المصدر نفسه ، والمكان نفسه . ( 2 ) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج 6 ، ص 264 . ( 3 ) محمد عثمان نجاتي ، القرآن وعلم النفس ، دار الشروق ، بيروت ، ط 7 ، 2001 ، ص 294 .