حسناء ديالمة

169

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

وحقا لم نر هجوما قط من الإمام جعفر على طائفة أو مذهب ، كهجومه على فكرة الغلاة ، وإذا لم يأخذ الملحدين بالشدة فتحا لأبواب الهداية لهم ، فهو صارم في صدد المغالين في الإمام علي ( كرم اللّه وجهه ) أو في نفسه ، وأسلوبه في مواجهتهم ، من أهم الجهود التربوية التي بذلها للحفاظ على الأمة بعامة والناشئة منها خاصة ووقايتهم من الانحراف . ج - صيانة الناس عن التصورات الخاطئة : كان العالم الإسلامي في عصر الصادق شاهدا لظهور التصورات الخاطئة التي تمس العقيدة الإسلامية ، ومنها فكرة إخراج العمل عن دائرة الإيمان ، بأنّ الإيمان اعتقاد بالقلب ولا تضرّ معه معصية « 1 » . فهذه الفكرة ذهبت إلى تعطيل الفرائض وتجاوز كل القيم في المجتمع ، لذلك قام الإمام برفض هذه الادعاءات ، ومن احتجاجاته على هذه الطائفة ما ذكره لأحد تلاميذه عندما سأل عن قولهم في الكفر والإيمان فقال : إنّهم يحتجون علينا ويقولون : كما أنّ الكافر عندنا هو الكافر عند اللّه ، فكذلك نجد المؤمن إذا أقرّ بإيمانه أنّه عند اللّه مؤمن ، فأجاب الإمام : « سبحان اللّه ، وكيف يستوي هذان والكفر إقرار من العبد ، فلا يكلّف بعد إقراره ببينة فإذا اتفقنا فالعبد عند اللّه مؤمن والكفر موجود بكل جهة من هذه الجهات الثلاث من نيّة أو قول أو عمل ، والأحكام تجري على القول والعمل في أكثر من يشهد له المؤمنون بالإيمان ويجري عليه أحكام المؤمنين وهو عند اللّه كافر ، وقد أصاب من أجرى عليه أحكام المؤمنين بظاهر قوله وعمله » « 2 » . في هذا التوجيه التربوي أبرز الإمام جعفر عدة أمور منها : - أن الكفر إقرار من العبد وبعد إقراره لا يحتاج إلى بيّنة . - أن الإيمان هو دعوى من العبد كسائر الدعاوي ، فيحتاج في قبولها وإثباتها إلى بيّنة ، وبيّنة الإيمان هي النيّة والعمل والقول فتكون دعوى الإيمان هذه مقبولة من العبد بالقصد والنية وعمل الجوارح وتجري عليه أحكام الإسلام بظاهر القول والعمل . - قد يكون العبد كافرا عند اللّه ولا صحة لدعواه الإيمان بسبب نفاقه ، على الرغم من جواز إجراء أحكام المؤمنين عليه لظاهر قوله وعمله . فراح الإمام يعرّي زيف هذه التفسيرات الباطلة للناس والتي استندت على فهم مقلوب من الدين .

--> ( 1 ) شرحنا حول هذه الفكرة التي سميت بالمرجئة في الفصل السابق . ( 2 ) محمد كاظم القزويني ، موسوعة الإمام الصادق ، ج 12 ، ص 111 .