حسناء ديالمة
170
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
وكذلك برزت التصورات الخاطئة التي تدور حول مسؤولية الإنسان عن أفعاله الإرادية وقد تمثلت باتجاهين « 1 » : فالطائفة الأولى اتجهت إلى نفي إرادة الإنسان وحريته في سلوكه وأنكرت أن يكون للفرد دور في أفعاله أو أن يكون له قدرة تؤثر في مقدورها ، بل الفاعل على الحقيقة لأفعال العباد والمريد لها هو اللّه الذي لا مشيئة إلا مشيئته وقدرته . أما الطائفة الأخرى فهم أصحاب الإرادة الحرة الذين رأوا أنّ الإنسان موجد لأفعاله على الحقيقة وهو مستقل في هذا الإيجاد واللّه تعالى فوّض إليه اختيار ما يعمل . أدرك الإمام خطورة الاتجاهين على العقلية الإسلامية وعلى فهمها للقرآن والسّنّة ، وأنهما يسيئان إلى الخالق عزّ وجلّ . ذلك أن تصوّر الجبر في حياة الإنسان يمسّ عدل اللّه تعالى ويسمح بعقوبة الإنسان من جانب اللّه على ما لا قدرة له عليه ، كما أنّ تصور التفويض واستقلال الفرد يمسّ توحيد اللّه ويقطع علاقة الإنسان باللّه في حياته اليومية وعمله وتحركه . كما ذكر الإمام : « القدرية أرادوا أن يصفوا اللّه عزّ وجلّ بعدله فأخرجوه من قدرته وسلطانه » « 2 » ! فالإمام عرض نقاط الضعف والخلل في تلك النظريات المستوردة ، وقام من موقع الدفاع عن التوحيد والعدل وتصحيح تصورات الناس ، فقال : « رجل يزعم أن اللّه عزّ وجلّ أجبر الناس على المعاصي ، فهذا قد ظلم اللّه في حكمه فهو كافر . ورجل يزعم أن الأمر مفوض إليهم ، فهذا قد وهن اللّه في سلطانه فهو كافر . ورجل يقول : إن اللّه عزّ وجلّ كلف العباد ما يطيقون ، ولم يكلفهم ما لا يطيقون وإذا أحسن حمد اللّه ، وإذا أساء استغفر اللّه ، فهذا مسلم بالغ واللّه الموفق » « 3 » . يقف الإمام من هذه القضية موقفا حاسما واضحا لتعلّقها بأمر العقيدة تعلقا جوهريّا ولتأثيرها على صحة إيمان العبد أو عدمه وذلك حتى لا يبقى لأحد حجة أو شبهه بعد هذا البيان .
--> ( 1 ) وقد برزت النظرية الجديدة بعد عصر الصادق مع تفسير الشيخ أبي الحسن الأشعري ( المتوفى 330 ) في هذا الصدد وهم القائلون بالكسب الذين يرون أنّ اللّه يخلق الفعل ويقدّره ، بينما يكتسب العبد هذا الفعل المخلوق له بقدرته الحادثة والضابط لعمليتي الخلق والكسب هو إرادة العبد أو اختياره . ( 2 ) الصدوق ، التوحيد ، ص 382 . ( 3 ) الحراني ، تحف العقول ، ص 371 .