حسناء ديالمة
165
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
الزندقة « 1 » ، حيث ظهرت طوائف من المغرقين بالكفر والإلحاد قاموا بإثارة الشبهات لإفساد المسلمين وتضليلهم فأخذوا يهاجمون العقيدة والأخلاق مهاجمة صريحة ، ويقعدون للمسلمين كلّ مرصد ، ويجدّون لهدم تعاليم الدين الحنيف بكلّ الوسائل المتاحة . وإزاء الحملات المسعورة التي كان يشنها هؤلاء الزنادقة على الإسلام والمسلمين ، فإن الإمام الصادق لم يكن ليقف مكتوف الأيدي ، فدخل في تلك المعارك الفكرية وجاء بخطّة متينة للكشف عن زيف مناقشاتهم . ولقد ناظر رؤساءهم بمناظرات عديدة في مجال العقيدة بأسلوب هادئ ، رصين ، مدعوم بالحجج والبراهين التي لم تدع لهم مخرجا ، وسجّلت بعض مصادر الحديث والتاريخ نماذج من تلك المناظرات التي تبيّن للناس ما ينير طريقهم ويزيل الشك عنهم . وها نحن نعرض أمثلة منها فنروي ما حصل حين حضر عبد الكريم بن أبي العوجاء مجلس الإمام الصادق فابتدأه الإمام بالقول : « أمصنوع أنت أو غير مصنوع ؟ فقال ابن أبي العوجاء : بل أنا غير مصنوع . فقال الإمام : فصف لي لو كنت مصنوعا كيف كنت تكون ؟ فبقي عبد الكريم مليّا لا يحير جوابا ، وولع بخشبة كانت بين يديه وهو يقول : طويل ، عريض ، عميق ، قصير ، متحرك ، ساكن ، كل ذلك صفة خلقه . فقال له الإمام : فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة غيرها ، فاجعل نفسك مصنوعا لما تجد في نفسك ممّا يحدث من هذه الأمور » « 2 » . كان ابن أبي العوجاء واقفا على أنّ الاعتراف بالمصنوعية يلزمه الإذعان بوجود الصانع تعالى فأنكر كونه مصنوعا ، ولكنّ الإمام ألزمه بالاعتراف بذلك بما سأله عنه ، وهو أنه لو كان مصنوعا ، فما هي صفاته ؟ فتوقف عن الجواب ، إذ رأى أن له جميع آثار المصنوعية . ولعل في الرواية التالية التي سنسوقها أبلغ دليل على مدى حجة الإمام الصادق في إفحام الدهريين والرد عليهم لإبعاد الناس عن شبهاتهم فقد بلغه أنّ الجعد بن درهم « 3 » جعل في قارورة ترابا وماء ، فاستحال دودا وهواما ، فقال : أنا خلقت هذا ؛ لأنني سبب تكوينه .
--> ( 1 ) شرحنا حول هذه الطائفة في الفصل السابق . ( 2 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 1 ، باب التوحيد ، ح 2 . ( 3 ) الجعد بن درهم . . . نحو 118 ، من الموالي ، مبتدع سكن الجزيرة الفراتية وأخذ عنه مروان بن محمد لما ولي الجزيرة ، قيل : كان زنديقا شهد عليه ميمون بن مهران ، فطلبه هشام بن عبد -