حسناء ديالمة
166
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
فقال الإمام : « ليقل كم هو الذكران والإناث إن خلقه وليأمر الذي سعى إلى هذا الوجه أن يرجع إلى غيره » « 1 » . فإنّ هذه الحركة « شغلت حيزا رئيسا في الفكر الديني . . . وكان لها أثرها العميق في المجتمع بما أصدرته من صراع فكري أثر في معتقدات الناس وبالتالي في قيمهم وحضارتهم » « 2 » . حتى كان لهم الظهور والاعتراض جهارا على الإسلام في المسجد الحرام ، وإذا لم يكن للصادق يومئذ القوة التي تمكنه من دفع الزنادقة عن دخول ذلك الحرم الشريف ، فكان لديه قوة العلم التي دفع بها شبهاتهم كما روي أن أحد رؤسائهم قال للإمام : « إلى كم تدوسون هذا البيدر ، وتلوذون بهذا الحجر وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدر ، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر ؟ فقل فإنك رأس هذا الأمر وسنامه وأبوك أساسه ونظامه . فأجابه أبو عبد اللّه : « إن من أضله اللّه وأعمى قلبه استوخم الحق ولم يستعذبه وصار الشيطان وليه وربه يورده مناهل الهلكة ولا يصدره ، وهذا بيت استعبد اللّه به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه على تعظيمه وزيارته ، وجعله قبلة للمصلين له فهو شعبة من رضوانه وطريق يؤدي إلى غفرانه ، منصوب على استواء الكمال ومجمع العظمة والجلال . . . » « 3 » . وهكذا نرى أنّ الزنادقة كانوا يستهزئون بشعائر المسلمين علنا لكي يشككوا في مبادئ الإسلام ، ويؤثروا في أصحاب النفوس الضعيفة ، الذين يهتزّون وتلتوي أعناقهم أمام أول هبوب للريح ، وقد يرجع السبب إلى هشاشة بنيانهم النفسي والديني ، لذا فقد سعى الإمام دوما إلى تقوية هذا البنيان وتدعيمه ، وحماية أصحابه من الوقوع في الشبهات ، فنراه أحيانا يجتمع مع هؤلاء الزنادقة ويسمح لهم بالكلام ، ويستمع إلى أباطيلهم وترهاتهم ، ثم يزيّف عقائدهم ، ويفنّد أفكارهم ومزاعمهم . فرغم أن الإمام يعلم أغراضهم الفاسدة ويشير في بداية كلامه إلى قلوبهم العمياء ،
--> - الملك ، فظفر به وسيره إلى خالد القسريّ في العراق فقتله . ( الزركلي ، الأعلام ، ج 2 ، ص 120 ) . ( 1 ) ابن حجر العسقلاني ، لسان الميزان ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، 1986 ، ط 3 ، ج 2 ، ص 105 . ( 2 ) جرجس داود ، الزندقة والزنادقة في الأدب العربي من الجاهلية وحتى القرن الثالث ، المؤسسة الجامعية للدراسات ، بيروت ، 2004 ، ص 71 . ( 3 ) الصدوق ، من لا يحضره الفقيه ، ج 2 ، ح 2325 .