حسناء ديالمة

127

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

فهذه الرسالة للإمام بمثابة رسالة الحقوق التي ذكرت فيها حق اللّه وحق الناس . وكأنّ الإمام أراد أن يجسّد الإسلام وبما فيه من الآداب والأخلاق من خلال رسائله لطلابه . ج - طريقة المناظرة والحوار : لقد كانت المناظرة والحوار من مميزات طرق التربية الإسلامية و « تقوم هذه الطريقة على أساس النقاش الذي يعتمد على طرح الأسئلة وتلقي الأجوبة للوصول إلى حقيقة من الحقائق لا تحتمل الشك والنقد ولا الجدال » « 1 » . فقد سلك القرآن الكريم الطريقة الحوارية مع المسلمين وغير المسلمين بشكل يؤثر على العقل والوجدان وبأسلوب يعتمد على الإقناع بالمناقشة التي تكشف عن الحق . لذلك كانت المناظرة والحوار إحدى الطرق التعليمية في الإسلام . ولأن الإسلام دعوة للتفكر وتحرير العقل اهتم علماء المسلمين عناية كبرى بالمناظرة والحوار في طرق تعليمهم « لما لها من الأثر الكبير في شحذ الذهن وتقوية الحجة ، والتمرن على سرعة التعبير ، وترتيب الأفكار ، وتجديد نشاطها كما تساعد التلاميذ على تنمية قدراتهم العقلية » « 2 » . وكذلك كانت المناظرة من أبرز طرائق التعليم عند الإمام الصادق ، حيث كان إماما في الحوار ولقد أكد في قوله وعمله أنّ العالم المربّي لا بدّ أن يفتح عقله وقلبه وعلمه لكل إنسان يطرح مشكلة أو يثير شبهة وإن اختلف معه في الأسس والمبادئ الفكرية . فكان يجلس في بيت اللّه الحرام ويحاور كبار الملاحدة والزنادقة وذوي الملل والنحل ، بعقل منفتح وصدر واسع . وقد يبدأ الإمام بالكلام وطرح السؤال حتى يسوق ذهنية الفرد إلى الحقيقة التي أراد أن يثبتها ، كما روي أنه : جاء أحد الزنادقة إلى الإمام وهو في بيت اللّه الحرام ولمّا فرغ من طوافه وصلاته ، قال أبو عبد اللّه له : « أتعلم أن للأرض فوقا وتحتا » ؟ قال : نعم . قال الإمام : « فهل دخلت تحتها » ؟ قال : لا . قال الإمام : « ما يدريك ما تحتها ؟ » قال : لا أدري إلا أني أظن أن ليس تحتها شيء . قال أبو عبد اللّه : « فالظن عجز ، فلم لا تستيقن ؟ » ثم أردف الإمام يقول : « أفصعدت إلى السماء ؟ » قال : لا ، قال : « أفتدري ما فيها ؟ » قال : لا . قال الإمام : « عجبا لك لم تبلغ المشرق ، ولم تبلغ المغرب ، ولم تصعد إلى

--> ( 1 ) محمد منير سعد الدين ، تاريخ التربية عند المسلمين ، مرجع سابق ، ص 267 . ( 2 ) عبد اللّه الدائم ، التربية عبر التاريخ ، دار العلم للملايين ، بيروت ، 1973 ، ص 178 .