حسناء ديالمة
111
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
المعرفة قليلا قليلا وشيئا بعد شيء ، وحالا بعد حال ، حتى يألف الأشياء ، ويتمرن ، ويستمر عليها ، فيخرج من حد التأمل لها والحيرة فيها إلى التصرف والاضطرار إلى المعاش بعقله وحيلته ، وإلى الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية » « 1 » . ويعلل الإمام الصادق ذلك بوجوه مختلفة فيقول : « لو كان المولود يولد فهما عاقلا ، لأنكر العالم عند ولادته ، ولبقي حيران تائه العقل إذا رأى ما لم يعرف ، وورد عليه ما لم ير مثله من اختلاف صور العالم من البهائم والطير إلى غير ذلك مما يشاهد ساعة بعد ساعة . . . ولو ولد عاقلا كان يجد غضاضة إذا رأى نفسه محمولا مرضعا . . . لأنه لا يستغني عن هذا كله لرقة بدنه . . . ثم كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل . . . فإنه لو كان يولد تام العقل مستقلّا بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد ، وما قدر أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة ، وما يوجب التربية للآباء على الأبناء من المكافأة بالبر والعطف عليهم عند حاجتهم إلى ذلك منهم . . . ثم كان الأولاد لا يألفون آباءهم ولا يألف الآباء أبناءهم ، لأن الأولاد كانوا يستغنون عن تربية الآباء وحياطتهم فيتفرقون عنهم حيث يولدون . . . » « 2 » . وكذلك بيّن الإمام الصادق وجوها خمسة لبيان الحكمة في مجيء الطفل وعقله فارغا من العلوم والمعارف قابلا لها بحسب الاستعداد الفطري ، فإنه لو كان يولد وله من المعارف لحصل : أولا : إنكار العالم عنده وحيرته مما يشاهد . ثانيا : الشعور بالذلة والمنقصة في نفسه للحمل والرضاع وغير ذلك . ثالثا : ذهاب حلاوة التربية من الأبوين للأولاد . رابعا : عدم حصول مصلحة للوالدين في تربية أولادهم ورعايتهم ، وعدم الترابط والتراحم فيما بينهم . خامسا : ذهاب مكافأة الولد لوالديه بالبر والإحسان عند عجزهما وكبرهما . ولهذا يرتقي الإمام الصادق في هذه النظرة التربوية التي سبقت وجهات النظر التربوية الحديثة منذ اثني عشر قرنا . على صعيد آخر يعتبر الإمام الصادق معرفة اللّه أمرا فطريا عند الإنسان وهذا ما
--> ( 1 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 63 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 64 .