حسناء ديالمة

112

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

عبر عنه في قول اللّه تبارك وتعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا « 1 » . « وأثبت الإقرار في صدورهم ولولا ذلك ما عرف أحد خالقه ولا رازقه » « 2 » فيرى الإمام بأنّ الآية واضحة الدلالة على أنّ الناس كافة مجبولون على معرفة اللّه . فيسلك الأنبياء بين الناس بالنسبة إلى المعرفة الإلهية دور المذكر لا المعلم ، فإنهم يقومون بإزاحة أستار الغفلة عن الفطرة الإنسانية و « جاءوا ليوصلوا المعرفة الفطرية الإجمالية إلى مرحلة الإيمان الاستدلالي العقلي التفصيلي » « 3 » . ومن الإفاضات الإلهية الفطرية للبشر في رأي الصادق : الحس الأخلاقي - أي : القوة المدركة الباطنية للخير والشر - الذي يكون جزءا من البناء التام للإنسان وفطرته . و « لولا أودع اللّه في النفوس من إدراك المعلومات على اختلاف مراتبها ، لما فهموا ما تدعوهم إليه الشرائع الإلهية » « 4 » . أشار الإمام إلى هذه القوة في النفس الإنسانية في تفسير قوله تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها « 5 » « بين لها ما تأتي وما تترك » « 6 » . يستفاد من استعمال كلمة الإلهام « حدوث علم في النفس بدون تعليم » « 7 » . فهي جزء من خلقة الإنسان وهيكله ، واللّه تبارك وتعالى غرس في الإنسان هذه البصيرة الأخلاقية يستطيع بها أن يدرك الخير والشر ، بإرشاد الأنبياء والرسل عليهم السّلام . * حرية الإنسان وإرادته : ذكرنا سابقا أن الإنسان موضوع اهتمام التربويين باعتباره موجودا يحمل في داخله قدرا كبيرا من الإمكانات والاستعدادات بل ومن المتناقضات ، وله أهداف معينة في هذه الحياة التي تتحقق بها إنسانيته ولا يصل إليها إلا بممارسة اختياره وقدرته وحريته . ومن هنا « تظهر أهمية الحرية بالنسبة للتربية ، حيث إن الحرية أساسية في تحقيق الذات الحقيقية ، أما إذا فقد الإنسان حريته فإن النتائج السيئة في تربية أكثر من أن تعد

--> ( 1 ) سورة الأعراف ، جزء من الآية 172 . ( 2 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 5 ، ص 223 . ( 3 ) محمد تقي الفلسفي ، الطفل بين الوراثة والتربية ، ج 1 ، ص 303 . ( 4 ) محمد الطاهر ابن عاشور ، التحرير والتنوير ، مؤسسة التاريخ العربي ، بيروت ، 2000 ، ج 30 ، ص 326 . ( 5 ) سورة الشمس ، الآية 7 ، 8 . ( 6 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 1 ، باب البيان والتعريف ، ص 163 . ( 7 ) ابن عاشور ، التحوير والتنوير ، مرجع سابق ، ج 30 ، ص 326 .