حسناء ديالمة

109

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

وكذلك عكف الصادق على دراسة الكون ، وما اشتمل عليه ، « فكل علم من العلوم الكونية ، التي تبحث عن المادة وخصوصياتها وتكشف عن سننها وقوانينها ، كعملة واحدة لها وجهان ، فمن جانب يعرّف المادة بخصوصياتها ، ومن جانب آخر يعرّف موجدها وصانعها » « 1 » ، إذ لا بد لكل مخلوق من خالق ، ولا بد لكل موجود من واجد ، وقد تفهّم الإمام حال الكون وكيفية خلقه ، و « كان عنده من القوى العقلية والنفسية والفراغ ما يجعله يتجه إلى طلب المعرفة من أي نوع كانت ، وعندنا الكثير من الأدلة المقربة التي تدل على أنه كان له علم بالكونيات ، وقد طلب ذلك ، ليتخذ منه ذريعة لبيان وحدانية اللّه تعالى » « 2 » . فهو يعتبر أن الخوض في العلوم الكونية من الأمور اللازمة التي تؤدي إلى قوة الإيمان باللّه سبحانه وتعالى وتربية الإنسان المسلم عليها ، فقد دعا تلاميذه إلى الاشتغال بها لإثراء الثقافة الإسلامية والفكر الإنساني على السواء . وقد كان لنظرته تلك أثرها التربوي في مدرسته العلمية ، التي تمثلت في جابر بن حيان ، الذي أخذ عنه أصول الاعتقاد والإيمان ، كما أخذ عنه طبائع الأشياء وخواص المعادن ، ومزج الأشياء ببعضها . ج - الإنسان : الإنسان هو محور التربية فالعملية التربوية بكل ما تشتمل عليه من أصول ونظريات ، ومناهج ، ومربين ، كلها تعمل وتتفاعل من أجل تهيئة الجو المناسب للإنسان كي يرتقي إلى درجة الكمال التي هيأها اللّه له . ولن يتحقق هذا الأمر إلّا بمعرفة طبيعة الإنسانية والعلم بها كي يمكن المساهمة في إصلاحه وارتقائه وعليه « ولا بد لكل فلسفة تربوية من أن تحدد مفهومها لطبيعة الإنسان إذ في ضوء هذا المفهوم تتعين الأهداف التربوية وتتحدّد الوسائل المعينة لتحقيقها » « 3 » . فنظرة المربي إلى الطبيعة الإنسانية تفسح له المجال في معرفة الطريقة التي يعامل الإنسان بها ، ويحدد مجال العمل معه حسب قدرة الإنسان وإمكاناته ومدى تقبله لها . فأساس التربية أمران مهمان : أحدهما طبيعة الإنسان ، المادة الخام التي يعالجها

--> ( 1 ) جعفر سبحاني ، الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل ، الدار الإسلامية ، بيروت 1989 ، ص 39 . ( 2 ) محمد أبو زهرة ، الإمام الصادق ، مرجع سابق ، ص 121 . ( 3 ) حسن إبراهيم عبد العال ، مقدمة في فلسفة التربية الإسلامية والطبيعة الإنسانية ، عالم الكتب ، الرياض ، 1405 ، ص 19 .