حسناء ديالمة

108

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

النملة التافهة . . . وإذا كان تمام التدبير واتصاله وإعجاز الرعاية هكذا في أحقر الأشياء فما بالك في السماوات والأرض وملكوتها ؟ » « 1 » . فكل مظاهر الطبيعة بجمالها وروعتها مع ما فيها من النظم والسنن ، أصدق شاهد على وجود بارئها ومكونها ومنشئها ، فقال : « أول العبر والأدلة على الباري - جل قدسه - تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على ما هي عليه ، فإنك إذا تأملت العالم بفكرك وميزته بعقلك وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه عباده ، فالسماء مرفوعة كالسقف ، والأرض ممدودة كالبساط ، والنجوم منضودة كالمصابيح ، والجواهر مخزونة كالذخائر ، وكل شيء فيها لشأنه معد ، والإنسان كالمملك ذلك البيت ، والمخول جميع ما فيه ، وضروب النبات مهيئة لمآربه ، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه ، ففي هذا دلالة واضحة على أن العالم مخلوق بتقدير وحكمة ، ونظام وملاءمة ، وأن الخالق له واحد وهو الذي ألفه ونظمه بعضا إلى بعض » « 2 » . فالصادق يستقرئ في أحوال الخلق ، من إنسان وفلك وحيوانات ونباتات وغير ذلك ليستدلّ من خلال تلك الأحوال على وجود اللّه . ومن المناسب ذكر بعض ما أفاده الإمام في هذا المقام ، أنه يتناول من السماء وما فيها من ضروب المنافع : « فكر في لون السماء وما فيه من صواب التدبير فإن هذا اللون أشد الألوان موافقة للبصر وتقوية . . . فانظر كيف جعل اللّه جل وتعالى أديم السماء بهذا اللون الأخضر إلى السواد ليمسك الأبصار المنقلبة عليه فلا ينكأ فيها بطول مباشرتها له ، فصار هذا الذي أدركه الناس فالفكر والروية والتجارب يوجد مفروغا منه في الخلقة حكمة بالغة ليعتبر بها المعتبرون » « 3 » . ومنها قوله : « فكر في ضروب من التدبير في الشجر فإنك تراه يموت في كل سنة موتة ، فتحتبس الحرارة الغريزيّة في عوده وتتولّد منه مواد الثمار ، ثم تحيا وتنتشر فتأتيك بهذه الفواكه نوعا بعد نوع ، كما تقدم إليك أنواع الأطبخة التي تعالج بالأيدي واحدا بعد واحد . فترى الأغصان في الشجر تتلقّاك بثمارها حتى كأنّها تناولكما عن يد وترى الرياحين تلقّاك في أفنائها كأنّها تجيئك بأنفسها ، فلمن هذا التقدير إلّا لمقدّر حكيم ؟ ! والعجب من أناس جعلوا مكان الشكر على النعمة جحود المنعم بها » « 4 » .

--> ( 1 ) المصدر نفسه والمكان نفسه . ( 2 ) كاظم المظفر ، توحيد المفضل ، مرجع سابق ، ص 11 . ( 3 ) المصدر نفسه ، ص 78 . ( 4 ) المصدر نفسه ، ص 103 .