السيد الخامنئي

19

مكارم الأخلاق ورذائلها

هو هذه الآية فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ . لماذا شيّبت هذه الآية الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله ؟ لأنّ اللّه تعالى يقول في هذه الآية : عليك بالإستقامة والثبات والتحلّي بالصبر في هذا الطريق كما أمرناك . إنّ هذه الإستقامة عمل شاق ، إنّه الصراط ؛ أي حبل الصراط ، الذي ضرب لنا مثله في يوم القيامة ، وهو حقيقة عملنا وسلوكنا في الدنيا ، نحن الآن نعبر على حبل الصراط ، فعلينا أن نتوخّى الحذر والدقة ، ولو أن إنسانا أراد أن يطبّق هذه الدقة على جميع سلوكه ؛ فسوف يشيب بسببها ، إلّا أنّ الأهم من ذلك - كما أظن - هي العبارة التالية : وَمَنْ تابَ مَعَكَ ، فليس الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وحده مأمورا بالإستقامة ، بل عليه أن يهدي جمعا كبيرا من المؤمنين إلى الإستقامة في هذا الطريق . إنّ الأفراد الذين يكونون عرضة للهجوم من قبل آفات الحياة ومفاسدها - كالأعداء والمتآمرين والظلمة وقوى التسلط - من جهة ، ومن قبل أهوائهم النفسية - الرغبات النفسية والقلوب التي تستميلها زخارف وبهارج الدنيا ، وتنجر وراءها - من جهة أخرى ، سوف ينحرفون يمينا أو يسارا عن جادة الإستقامة ، وإنّ كلا من حبّ الذهب والفضة والأموال والرغبات الجنسية والرئاسة وغيرها ، يمثل حبائل وشباك تلقى في قلب الإنسان لينجر وراءها ، وإنّ المقاومة والثبات للحيولة دون أن تنزلق قدم الإنسان نحو ذلك . هو المراد من عبارة وَمَنْ تابَ مَعَكَ . إنّ المؤمنين يقعون تحت تأثير هذين المؤثرين القويين - ضغط العدو ، والضغط الداخلي للقلب المصاب بالهوس - وأغلب الظن ، أنّ ما شيّب النبي صلّى اللّه عليه وآله هو همّ هداية هؤلاء المؤمنين نحو الصراط المستقيم ، والمحافظة عليه مع تأثير هاتين القوتين الجاذبتين . ألا تعلمون أنّه برغم كثرة المخاطر والصعاب استطاع النبي الأكرم صلّى اللّه عليه وآله أن يتجاوز بالمسلمين - سواء في العهد المكي الذي دام ثلاث عشرة سنة ، أو في عهد تأسيس الدولة في المدينة المنورة - وأن يوصلهم إلى القمم الشامخة ؟