السيد الخامنئي

25

مكارم الأخلاق ورذائلها

وأتذكر هنا أنه في الأيام الأولى لاستقرار الإمام عليه الرحمة في النجف وفي أحد المجالس ذكر للمرحوم والذي كان مكان نفيه في تركيا عبارة عن بقايا جزيرة قد أتت عليها المياه العميقة من كل جانب . . فقال له الوالد : ألم تخف أن يقوم الجلاوزة الذين كانوا معك برميك في الماء وإغراقك . فرد عليه الإمام : أبدا لم يكن ذاك شيء مهم . ثم أضاف : في الليلة التي اعتقلوني في قم وأرسلوني إلى طهران وبينما نحن في الطريق تغير مسير السيارة التي كانت فيها واتجهت وسط الصحراء إلى جهة غير معلومة عندها أيقنت أن لدى هؤلاء أمرا بتصفيتي جسديا في وسط الطريق وفي هذه اللحظة راجعت نفسي وسألتها : يا ترى هل دخل شيء من الخوف في قلبي ؟ إلّا إنني وجدت الجواب حينها أنني لم أخف قط . هذه الروحية بقيت تلازم الإمام عليه الرحمة إلى آخر حياته ولكن بشكل أتم وأكمل ، مثلا في بداية الحرب المفروضة أصبحت المنطقة التي يسكنها الإمام في جمران محلا لجولان الطائرات العراقية ومع ذلك فإن الإمام لم يتحرك أبدا من مكانه الذي هو فيه بجانب النوافذ الزجاجية الخطرة بل إنه لم يطفأ مصباح غرفته طوال الليل في حين أن الكثيرين وبعضهم الآن يدعي الشجاعة ، بادروا إلى النزول في الأقبية ، وهذه الحالة من عدم الخوف وباقي الملكات الروحية والأخلاقية معلولة لبناء الذات والمجاهدات الأخلاقية التي تربى عليها خلال سنوات متمادية وهي قدوة لنا جميعا « 1 » . فإذا كان الحديث عن الحرية والكرامة الإنسانية ، وإذا كانت حقوق الإنسان في المجتمعات مطروحة ، وإذا كان العدل ورفع الحيف لا يزال شعارا خلّابا في الدنيا ،

--> ( 1 ) من كلمة ألقاها في : 17 / شوال / 1425 ه الموافق : 11 / 9 / 1383 ه ش .