السيد كاظم الحائري
540
تزكية النفس
تضادّ بين قسمين من الفضائل ، في حين أنّه بالتدقيق ينكشف أنّه لا تضادّ بينهما ، وإنّما العيب كان في ضيق أفق النفس التي لم تستوعبهما . ونذكر لهذا التضادّ الوهميّ عدّة أمثلة : الأوّل : ما يتراءى في النفوس الضيّقة من التضادّ أو التنافي بين حالة الزهد وعدم المبالاة بالدنيا من ناحية ، والعمل بمفهوم خلافة اللّه في أرضه الذي يتطلب عمرانها واستخراج خيراتها وبركاتها من ناحية أخرى ، في حين أنّ كلتا الحالتين قد أمرنا بهما في الشريعة ، ولكنك ترى عملا أن كثيرا ممّن يقبل على الزهد وترك الدنيا ينصرف عن العمل الجادّ في الدنيا ، والاستفادة من نعم اللّه في سبيل ترفيه العائلة ، أو مساعدة الجيران ، أو طلب الخير للمسلمين ، وما إلى ذلك ، ويتوقع على نفسه ، ويترك الأعمال الاجتماعيّة . وترى كثيرا ممن لديه أعمال خيرية أو اجتماعيّة لمصلحة العباد ينسى الزهد في هذه الدنيا ، وينكبّ عليها حلالا أو حراما ، ويقتنع بما يرى من نفسه من بعض الخيرات والمبرات أو الأعمال الاجتماعيّة ، وينسى قوله تعالى : . . . إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ « 1 » . والخلاصة : أنّه يصعب على أفق النفس الضيقة الجمع بين خصلة ورد فيها عن الصادق عليه السّلام قوله : « جعل الخير كلّه في بيت ، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا . قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لا يجد الرجل حلاوة الإيمان في قلبه حتّى لا يبالي من أكل الدنيا . ثمّ قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الإيمان حتّى تزهد في الدنيا » « 2 » وخصلة الاهتمام بالحصول على خزائن الأرض لصالح تحكيم المبدأ والعقيدة بين الناس ، كما حكى اللّه تعالى عن يوسف عليه السّلام قوله :
--> ( 1 ) السورة 5 ، المائدة ، الآية : 27 . ( 2 ) الوسائل 16 / 12 ، الباب 62 من جهاد النفس ، الحديث 5 .