محمد الجبر
27
البنى الأساسية في علم الأخلاق
من الصعب التفكير بما فكر به أفلاطون : الخلاص الجماعي ، لأن كل فرد يبحث عن خلاصه الفردي الذي اقترحت المسيحية حلا له : الهروب إلى السماء . لأبيقور الفضل في البحث عن سعادة أرضية ، ولكن كان ذلك على حساب التشويه . وقد قال أريين ( Arrien ) : تفسد الأبيقورية كل شيء في الإنسان الاجتماعي . وانتهت الأبيقورية إلى النسك والزهد : يعيد الإنسان إلى الحد الأدنى بنشاطه وعلاقاته وحاجاته ، ليقلل من الشقاء الذي ينتظره . يجب أن نكون أقل ما يمكن لنصبح أفضل ما يمكن . لن تزدهر المادية ولن تتجسد سياسيا ، إلا في مجتمع يرسم أمامه طريق المستقبل ، وقد حملت الحضارة معها ، بصعودها منذ عصر النهضة ، ظروف هذا الازدهار وهذا التجسيد . وضعت أعمال ديكارت المقدمات للأخلاق العلمية في عصر صعودها التاريخي . ولم يخطئ بوسويه ( BoSSuet ) عندما تنبأ بمعركة قريبة ضد الكنيسة تحت ستار الفلسفة الديكارتية . لقد استشهد انسيكلوبيديو وماديّو القرن الثامن عشر الفرنسيون بهذه الفلسفة أسوة بمعلمهم ( ديدرو ) . لماذا كل ذلك ؟ أولا : لأن ديكارت صاغ في كتابه ( مبادئ الفلسفة ) أوضح إدانة للمثالية : « نختبر أنفسنا بأنفسنا ، ذلك أن كل ما نشعر به يأتي من شيء آخر غير ذهننا تتعلق به عدم مقدرتنا على صنع شعور بدلا من آخر وفق أحاسيسنا . » « 1 » ثانيا : لأن ديكارت ، أقام فلسفة عملية ، هدفها السيطرة على الطبيعة : « من الممكن التوصل إلى معارف مفيدة جدا للحياة وبناء فلسفة عملية تعرف قوة النار والهواء والكواكب والسماوات وكل قوة تأثير الأجسام المحيطة بنا ، بدلا من الفلسفة النظرية التي تدرس في المدارس ، نستطيع استخدامها لكل الاستعمالات الخاصة وبذلك نصبح أسياد الطبيعة ومالكيها » « 2 » .
--> ( 1 ) ماتفيف 40 ، رنيه ديكارت ، ص 119 . ( 2 ) نفس المصدر ص 120 .