محمد الجبر
26
البنى الأساسية في علم الأخلاق
وبما أن الإنسان جزء من الطبيعة ، ولا يوجد شيء خارجا عن هذه الطبيعة ، لذا لا شيء يمنع الإنسان من البحث عن نفسه فيها . وقد قال أبيقور في هذا الخصوص ما اعتبره البعض فضيحة فلسفية : « في لذة البطن يكمن جذر كل خير وحتى الحكمة والثقافة » « 1 » لم يكن موقف أبيقور مشينا ، بل على العكس بسيطا جدا : « الحكمة هي راحة النفس ، فعند ما يستغيث الجسد تستغيث النفس » . ويتطلب ثبات التوازن النفسي توازنا جسديا . لا يمجد أبيقور عبودية البطن أكثر مما تمجد المادية المعاصرة عبودية الآلة ، عندما تؤكد على أن الإنتاجية للتقنية الكبيرة ، هي الشرط الضروري لبناء المجتمع . يهتم أبيقور كثيرا بتوضيح أفكاره : « لا نقصد عندما نقول أن اللذة غايتنا ، اللذة الجسدية الشهوانية ، كما يعتقد الذين لا يعرفوننا ولا يفهموننا ، وخصومنا . بل نقصد راحة النفس . لأن الولائم وأشهى المأكولات وأجمل النساء ، لا تؤدي للحياة السعيدة ، بل الذي يؤدي لها هو الإدراك السليم القادر على الاختيار الصحيح ، وعلى نبذ الآراء الخاطئة التي تسبب عذاب النفس » « 2 » . حملت المادية القديمة معها الإلحاد ، والنظرة العلمية عن الطبيعة والسكينة النفسية للحصول على السعادة الأرضية ، والعقلانية الأخلاقية ، ولكنها كانت محدودة ، ولم تضع كل مفهوم في مكانه . لم ينقص ابيقور فقط علما واسعا عن الطبيعة ، بل افتقد فكره أيضا الشروط الاجتماعية ، التي تسمح له بالتفتح والتجسد سياسيا . وعاصر ابيقور نزاع المدنية اليونانية وقرنا من الحروب والإنتفاضات ، من الفوضى والكوارث . « من المجتمع يأتي كل ما يمنع الحياة من هنائها ولا مخرج اجتماعي للمشكلة ، لا تستطيع أية قوة اجتماعية أن تتخطى هذه الفوضى وهذا الإنحطاط »
--> ( 1 ) أولف جيجن - المشكلات الكبرى في الفلسفة اليونانية ص 10 . ( 2 ) نفس المصدر ص 14 .