عبد الرحمن بدوي
13
الأخلاق عند كنت
لكنه مع ذلك قبلي ، أو كما يقولون : أن تشيدها . فإذا استطعنا أن نكتشف هذا العيان المحض وإمكانه ، فسيكون من السهل تفسير إمكان هذا العلم . ذلك لأنه إذا كان العيان التجريبي يمكننا - دون صعوبة - أن نوسّع تركيبا في التجربة بواسطة محمولات جديدة يزودنا بها العيان نفسه ، توسّع التصور الذي لدينا عن موضوع العيان ، فإن العيان المحض سيصنع مثل ذلك ، مع هذا الفارق وهو أن الحكم التركيبي ، في هذه الحالة الأخيرة ، سيكون يقينا قبليا وضروريا ، بينما في الحالة الأولى فإنه لن يكون يقينيا إلا بعديا وبالتجربة ، ذلك أن أحدهما لا يحتوي إلّا على ما يوجد في العيان التجريبي الممكن ، بينما الآخر يحتوي على ما يجب أن يلقى ضرورة في العيان المحض ، لأنه - بوصفه عيانا قبليا - مرتبط ، ارتباطا لا انفصام له - بالتصور قبل كل تجربة أو كل ادراك جزئي » ( بند 7 ) . على أن كلمة « قبل » هاهنا ليس لها مدلول زماني ، بل معنوي : بمعنى أنه مستقل عن الادراك الحسّي الجزئي . فالدائرة بالمعنى الرياضي مستقلة عن كل دائرة جزئية نراها مرسومة على اللوحة أو الصحة . وهنا تأتي المشكلة مرة أخرى : كيف يمكن وجود عيان محض ؟ إن عياني لتفاحة ما يتوقف على حضورها أمامي . هنا نجد أن الوضع مع التصورات الرياضية مختلف تماما ، إذ هي تتناول « الموضوعات بعامة » ، لا الموضوعات الجزئية العينية ، ومثال ذلك تصور الكمية والمقدار . والجواب عن هذه المشكلة هي أنه « لو كان من طبيعة عياننا أن يمتثل الأشياء كما هي في ذاتها ، فإنه لن يوجد عيان قبلي ، بل سيكون العيان دائما بعديا ، لأنني لا أستطيع أن أعرف ما ذا يحتوي الشيء في ذاته إلّا إذا كان حاضرا أمامي ومعطى . صحيح أنه ليس من المفهوم كيف يمكن عيان الشيء الحاضر أن يجعلني أعرفه كما هو في ذاته ، لأن خواصه لا يمكن أن تدخل في ملكة الامتثال ، ومع ذلك فإذا أقررنا بهذا الإمكان ، فإن مثل هذا العيان لا يمكن أن يحدث قبليا ، أعني قبل أن يتبدى لي الشيء ، لأنه بدون ذلك لا يمكن تصوّر