الشيخ ابراهيم الأميني

94

تزكية النفس وتهذيبها

مخالبك ، وأفلت من حبائلك ، واجتنبت الذهاب في مداحضك » « 1 » . عندما جهز أمير المؤمنين عليه السّلام جيشه الجرار وتحضر للمسير على رأسه ، نظر إلى ابن عباس وأشار إلى حذائه المهترىء وقال : « ما قيمة هذا النعل ؟ فقال ابن عباس لا قيمة لها . فقال عليه السّلام : واللّه لهي أحب إليّ من إمرتكم إلّا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا » « 2 » . هكذا كان عباد اللّه الخاصين ، وهكذا هم ، يحيون في هذه الدنيا ، ولكن أبصارهم شاخصة نحو أفق أعلى ، هم أهل الآخرة ، يعملون كسائر الناس في الكسب والعمل ، يجدون ويسعون ، يقبلون الحكم والقيادة والولاية ، ويشتغلون في إدارة أمور حياتهم ، لكن يسخرون كل ذلك في سبيل إرضاء الحق وأداء واجبهم الشرعي ، يستفيدون من النعم الإلهية في الحد المشروع ، لكنهم طلقوا الدنيا ثلاثا وأخرجوا مهرها من قلوبهم ، يحاربون من أجل تولي السلطة والحكم ، لكن للدفاع عن الحق ولإجراء العدالة ، لا للرئاسة والزعامة . أهل الدنيا : أما الذي لم يعرف الدنيا كما هي ، فهو ينشغل بالدنيا وما فيها وكأنها الهدف من خلقته ، لا يحسب حساب شيء في ذلك ، بل يستغرق في حب المال والمنال والنساء والأبناء والجاه والمقام ؛ تعلق بالحياة الدنيا وتاه قلبه في الهيام بها ، ناسيا اللّه والحياة والأخرى ؛ غض بصره عن القيم المعنوية ، وتفرغ لتأمين رغباته الحيوانية وإشباع رغباته من لذائذ الدنيا ما أمكن ؛ يعتبر هذا الشخص من أهل الدنيا ، حتى لو كان فقيرا محتاجا منزويا ، يتجنب قبول المسؤوليات الاجتماعية . يقول اللّه تعالى في القرآن الكريم : يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ « 3 » .

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، كتاب رقم 45 . ( 2 ) نهج البلاغة ، خطبة 33 . ( 3 ) سورة الروم ، الآية 7 .