الشيخ ابراهيم الأميني

17

تزكية النفس وتهذيبها

ويوجد الكثير من هذه الآيات والروايات ، ويستفاد منها أن النفس موجود شرير ، ويجب قمعها بالجهاد والسعي الدؤوب . يمكن أن يتصور البعض أنه يوجد تزاحم وتعارض بين هذه الآيات أو أن يتخيلوا أن للإنسان نفسين ، إحداهما النفس الإنسانية التي هي منشأ كل الأمور الحسنة ، والأخرى السيئة وهي النفس الحيوانية التي هي منشأ السيئات . لكن هذا التصور خاطىء . أولا : لأنه لا يوجد تعارض بين الآيات والروايات وثانيا : لقد ثبت من خلال العلم أن ليس الإنسان أكثر من حقيقة واحدة ، وليس له أكثر من نفس واحدة ، والحيوانية والإنسانية ليسا شيئين منفصلين فيه . بل إن لنفس الإنسان مرتبتان وبعدان وجوديان . ففي المرتبة الدنيا هو حيوان يتصف بكل صفات وآثار الحيوان ، وهو في المرتبة الرفيعة إنسان ، ونفخة إلهية جاءت من عالم الملكوت . ولهذا يقال : النفس شريفة وقيمة وهي منشأ الحسنات فيجب أن تجدّوا في بنائها ، وهذه إشارة إلى مرتبتها الرفيعة . أما حينما قيل : نفسك عدوك فاحذرها ، واردعها كي لا توصلك إلى المهالك ، فهذه إشارة إلى المرتبة الدنيا فيها أي إلى المرتبة الحيوانية ، وإذا قيل : احفظ نفسك وربها ، فالمراد من ذلك المرتبة الإنسانية . وإذا قيل : إقهرها فالمراد المرتبة الحيوانية . ويوجد تجاذب دائم وخصام وجدال بين هاتين المرتبتين الوجوديتين . الذات الحيوانية تسعى دائما لإرضاء رغباتها وميولها وتقطع طريق الرقي والتكامل والصعود إلى اللّه على النفس الإنسانية ، بل وتسخرها لتأمين رغباتها . وعلى العكس من ذلك فالذات الإنسانية أو المرتبة الرفيعة لوجود الإنسان ، تسعى دائما لطي المراحل الرفيعة للكمالات الإنسانية حتى تنال مقام القرب الإلهي . ولهذا فهي تسعى للسيطرة على الرغبات والغرائز الحيوانية وتسخيرها لتحقيق الهدف المنشود . إذن يوجد صراع حتى تتغلب الواحدة على الأخرى ، فإذا ما تغلبت الذات الإنسانية والملكوتية ، أحييت القيم الإنسانية ، وارتقى الإنسان وصعد نحو المقام الشامخ القرب من اللّه ، وإذا تغلبت الذات الحيوانية ، أطفأت مصباح العقل وأسقطت الإنسان في وادي الضلال والضياع . ولهذا السبب جاء الأنبياء حتى يعينوا وينصروا البشر في هذا الصراع المصيري المقدس .