عباس الإسماعيلي اليزدي
68
ينابيع الحكمة
وأن يحدّث نفسه بذلك ، والمراد من سوء الظنّ المحرّم عقد القلب وحكمه عليه بالسوء من غير يقين به ، وأمّا الخواطر وحديث النفس فهو معفوّ عنه كما أنّ الشكّ أيضا معفوّ عنه ، قال اللّه تعالى : اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءا إلّا إذا انكشف لك بعيان لا يحتمل التأويل ، وما لم تعلمه ثمّ وقع في قلبك فالشيطان يلقيه إليك ، فينبغي أن تكذّبه فإنّه أفسق الفسّاق وقد قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فلا يجوز تصديق إبليس . ومن هنا جاء في الشرع ؛ أنّ من علمت في فيه رائحة الخمر لا يجوز أن تحكم عليه بشربها ولا تحدّه عليه ، لإمكان أن يكون تمضمض به ومجّه أو حمل عليه قهرا ، وذلك أمر ممكن فلا يجوز إساءة الظنّ بالمسلم ، وقد قال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ اللّه تعالى حرّم من المسلم دمه وماله وأن يظنّ به ظنّ السوء » فلا يستباح ظنّ السوء إلّا بما يستباح به الدم والمال ، وهو تيقّن ( بعين ف ن ) مشاهدة أو بيّنة عادلة أو ما جرى مجراهما من الأمور المفيدة لليقين أو الثبوت الشرعي . . . وطريق معرفة ما يخطر في القلب من ذلك هل هو ظنّ سوء أو اختلاج وشكّ ؟ أن تختبر نفسك ، فإن كانت قد تغيّرت ونفر قلبك عنه نفورا واستثقلته وفتر عن مراعاته ، وتفقّده وإكرامه والاهتمام بحاله والاغتمام بسببه غير ما كان أوّلا ، فهو أمارة عقد الظنّ ، وقد قال صلّى اللّه عليه وآله : « ثلاثة في المؤمن وله منهنّ مخرج ، فمخرجه من سوء الظنّ أن لا يحقّقه » أي لا يحقّق في نفسه بعقد ولا فعل ، لا في قلب ولا في الجوارح ، أمّا في القلب فبتغيّره إلى النفرة والكراهة ، وفي الجوارح بالعمل بموجبه . . . ومن ثمرات سوء الظنّ التجسّس ، فإنّ القلب لا يقنع بالظنّ ويطلب التحقيق فيشتغل بالتجسّس وهو أيضا منهيّ عنه ، قال اللّه تعالى : وَلا تَجَسَّسُوا وقد نهى اللّه سبحانه في هذه الآية الواحدة عن الغيبة وسوء الظنّ والتجسّس . ومعنى