عباس الإسماعيلي اليزدي
321
ينابيع الحكمة
أربعون خريفا فقد مضت أربعون سنة . أقول : في رواية معاني الأخبار : الخريف سبعون سنة . وفي بعض الروايات : أنّه ألف عام ، والعالم ألف سنة . ولعلّ في تمثيل الإمام عليه السّلام إشارة إلى أنّ علّة تأخّر الأغنياء عن الفقراء بهذه المدّة الطويلة ، هو الوقوف عند الميزان حتّى يخرجوا عن عهدة الحساب والسؤال عن مكسب المال ومخرجه ، وإن كان من وجه الحلال . « العاشر » والعشّار من يأخذ العشر على الطريق « أسربوها » أي أرسلوها وخلّوها تذهب « موقورة » في القاموس : الوقر بالكسر : الحمل الثقيل أو أعمّ . « الفقر » ضدّ الغنى والفقير ج فقراء : المحتاج . أقول : الأخبار الواردة في الفقر مختلفة غايتها ولكن ليست بمتعارضة حيث كلّ منها يشير إلى معنى من معاني الفقر ، وأمّا المعاني فها هي : الأوّل : قد يراد بالفقر افتقار الناس في وجودهم إلى اللّه تعالى ، وهو أمر تكوينيّ ، وذلك عامّ يشمل جميع الكون وما فيها ، فكلّ إنسان فقير إلى اللّه كما أنّ كلّ موجود يحتاج في وجوده وبقائه إليه تعالى وهو المراد في قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ . الثاني : وتارة يراد به حالة في الإنسان يدرك ويعلم أنّه في كلّ أموره يحتاج إلى ربّه ، ولا يصل شيء إليه ولا يرفع عنه بشيء إلّا بعد تقديره وإرادته ، حتّى الجرعة من الماء ، وهذا المقام لا يحصل عليه إلّا الكمّلين من المؤمنين والأولياء ، وهو ناشئ من إدراك الإنسان وشهوده حقيقة الاحتياج إليه تعالى في الوجود أي الفقر بالمعنى الأوّل ولعلّه المراد في قول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « الفقر فخري وبه أفتخر » وبه أشار صلّى اللّه عليه وآله بقوله : « اللهمّ أغنني بالافتقار إليك ، ولا تفقرني بالاستغناء عنك » . وقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السّلام : رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ . الثالث : وأخرى يراد به احتياج الإنسان إلى بني نوعه وافتقار بعضهم إلى بعض ،