عباس الإسماعيلي اليزدي

164

ينابيع الحكمة

وأطعت هواك على غلبة عقلك . يا هشام ، الصبر على الوحدة علامة قوّة العقل ، فمن عقل عن اللّه اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها ، ورغب فيما عند اللّه ، وكان اللّه انسه في الوحشة ، وصاحبه في الوحدة ، وغناه في العيلة ، ومعزّه من غير عشيرة . يا هشام ، نصب الحقّ لطاعة اللّه ، ولا نجاة إلّا بالطاعة ، والطاعة بالعلم والعلم بالتعلّم ، والتعلّم بالعقل يعتقد ، ولا علم إلّا من عالم ربّانيّ ، ومعرفة العلم بالعقل . يا هشام ، قليل العمل من العالم مقبول مضاعف ، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود . يا هشام ، إنّ العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة ، ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا ، فلذلك ربحت تجارتهم . « 1 » يا هشام ، إنّ العقلاء تركوا فضول الدنيا ، فكيف الذنوب ، وترك الدنيا من الفضل ، وترك الذنوب من الفرض . يا هشام ، إنّ العاقل نظر إلى الدنيا وإلى أهلها ، فعلم أنّها لا تنال إلّا بالمشقّة ، ونظر إلى الآخرة ، فعلم أنّها لا تنال إلّا بالمشقّة ، فطلب بالمشقّة أبقاهما . يا هشام ، إنّ العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة ، لأنّهم علموا أنّ الدنيا طالبة مطلوبة والآخرة طالبة ومطلوبة ، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتّى يستوفي منها رزقه ، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت ، فيفسد عليه دنياه وآخرته . يا هشام ، من أراد الغنى بلا مال ، وراحة القلب من الحسد ، والسلامة في الدين ، فليتضرّع إلى اللّه عزّ وجلّ في مسألته بأن يكمّل عقله ، فمن عقل قنع بما يكفيه ،

--> ( 1 ) - وزاد في تحف العقول : يا هشام ، إن كان يغنيك ما يكفيك فأدنى ما في الدنيا يكفيك . وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شيء من الدنيا يغنيك