عباس الإسماعيلي اليزدي

165

ينابيع الحكمة

ومن قنع بما يكفيه استغنى ، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا . يا هشام ، إنّ اللّه حكى عن قوم صالحين ؛ أنّهم قالوا : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ حين علموا أنّ القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها ، إنّه لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه ، ومن لم يعقل عن اللّه لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه ، ولا يكون أحد كذلك إلّا من كان قوله لفعله مصدّقا ، وسرّه لعلانيته موافقا ، لأنّ اللّه تبارك اسمه لم يدلّ على الباطن الخفيّ من العقل إلّا بظاهر منه ، وناطق عنه . يا هشام ، كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول : ما عبد اللّه بشيء أفضل من العقل ؛ وما تمّ عقل امرء حتّى يكون فيه خصال شتّى : الكفر والشرّ منه مأمونان ، والرشد والخير منه مأمولان ، وفضل ماله مبذول ، وفضل قوله مكفوف ، ونصيبه من الدنيا القوت ، لا يشبع من العلم دهره ، الذلّ أحبّ إليه مع اللّه من العزّ مع غيره ، والتواضع أحبّ إليه من الشرف ، يستكثر قليل المعروف من غيره ، ويستقلّ كثير المعروف من نفسه ، ويرى الناس كلّهم خيرا منه ، وأنّه شرّهم في نفسه ، وهو تمام الأمر . « 1 » يا هشام ، إنّ العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه . يا هشام ، لا دين لمن لا مروّة له ، ولا مروّة لمن لا عقل له ، وإنّ أعظم الناس قدرا الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطرا ، أما إنّ أبدانكم ليس لها ثمن إلّا الجنّة فلا تبيعوها بغيرها . يا هشام ، إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان يقول : إنّ من علامة العاقل أن يكون فيه ثلاث خصال : يجيب إذا سئل ، وينطق إذا عجز القوم عن الكلام ، ويشير بالرأي

--> ( 1 ) - وزاد في تحف العقول : يا هشام ، من صدق لسانه زكى عمله ، ومن حسنت نيّته زيد في رزقه ، ومن حسن برّه بإخوانه وأهله مدّ في عمره . يا هشام ، لا تمنحوا الجهّال الحكمة فتظلموها ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم . يا هشام ، كما تركوا لكم الحكمة فاتركوا لهم الدنيا .