عباس الإسماعيلي اليزدي

66

ينابيع الحكمة

وسيرتنا . ويجب علينا بيان نكات : الأولى : أنّ منشأ اختلاف الأخبار في الباب هو أنّ بعضها يكون في مقام بيان معنى الزهد أو لوازمه ، وعدّة منها في صدد بيان درجاته ، وشطر منها في مقام ذكر علامات الزهد والزاهد . الثانية : أنّه لا تغفل عن مكائد المتصوّفة والمرتاضين ، حيث إنّهم تركوا الدنيا للدنيا ، بل يجب علينا سلوك طريق الشرع وتحمّل الرياضات الشرعية لا سلوك طريق أهل البدع ، فهم في غمرات الجهل يعمهون وعن الصراط لناكبون . وفي عدّة الداعي ص 93 : سئل أمير المؤمنين عليه السّلام : من أعظم الشقاء ؟ قال عليه السّلام : رجل ترك الدنيا للدنيا ، ففاتته الدنيا وخسر الآخرة ، ورجل تعبّد واجتهد وصام رئاء الناس ، فذلك الذي حرم لذّات الدنيا من دنايا ولحقه التعب الذي لو كان به مخلصا لاستحقّ ثوابه ، فورد الآخرة وهو يظنّ أنه قد عمل ما يثقل به ميزانه فيجده هباء منثورا . . . الثالثة : أنّه في ابتداء الأمر يحتاج إلى التزهّد والتكلّف بالزهد حتّى يوجد في القلب عدم الرغبة وبغض الدنيا ، قد مرّ من الغرر عن أمير المؤمنين عليه السّلام : التزهّد يؤدّي إلى الزهد . وعنه عليه السّلام : أوّل الزهد التزهّد . الرابعة : أنّ الزهد وإن كان أمرا قلبيّا وهو أن لا يأسى الإنسان على ما فاته ولا يفرح بما آتاه اللّه ، ويكون قصير الأمل ، ولكن لا بدّ أن تظهر آثاره في العمل والجوارح . وجدير بالذكر أنّ للزهد درجات متفاوتة ففي مرتبة يترك الزاهد الحرام مخافة عقاب اللّه تعالى ، وفي مرتبة يترك الشبهات لئلّا يقع في الحرام ، وفي مرتبة يترك أيضا حلال الدنيا ولا يدّخر منها ولا يجمعها ، ويقنع بأقلّ ما يحتاج إليه ويكتفي بالضرورة ، بل يكون أكله كأكل المضطرّ إلى الميتة ، تواضعا للّه تعالى وفرارا