الشيخ محمد رضا مهدوي كني
98
البداية في الأخلاق العملية
المفاهيم المماثلة . بتعبير آخر : الفقهاء ليسوا في مقام تحديد الغيبة وتعريفها منطقيا كي تؤدي زيادة أو قلة القيد إلى احداث تغيير ماهوي ، وانما يهدفون من وراء ذكر هذه القيود ، التمييز بين مصاديق الغيبة - بصفتها تعريفا لفظيا - وبين المفاهيم المماثلة كالتهمة ، والافك ، والفحش ، والاستهزاء ، والسخرية ، والإهانة ، والاحتقار ، والايذاء اللساني ، وإشاعة الفحشاء الخ - وهي مفاهيم قد تتداخل فيما بينها في معظم الأحيان - كي تتضح الأحكام الخاصة بكل مفهوم وما يترتب عليه من آثار شرعية وحقوقية . والجدير بالذكر انّ جميع هذه المفردات ، تعدّ من الذنوب الكبيرة ، إلّا أنّ تحريمها ، على علاقة بعنوانها وخصوصياتها ، وليس لأنها غيبة ، وتقع كل واحدة منها في درجة خاصة من المعصية ولديها انعكاساتها المتناسبة معها ، فضلا عن اختلاف كل منها فيما يترتب عليها من كفارة وتعويض . فلو تحدث أحدهم عن عيب ظاهر أو معصية ظاهرة لأحد المؤمنين ، فإنه قد ارتكب معصية لكن ليست بصفتها غيبة وانما كتعييب وإشاعة للفحشاء . أو لو لصق أحدهم بآخر ومن ورائه صفة ليست فيه أو تحدث عنه بما لا يليق ، فهو مذنب وعاص بسبب ذلك الاتهام أو التشنيع ، لا لأنّ عمله كان غيبة . وقد يرتكب المرء أحيانا عدة ذنوب في عمل واحد ، كالغيبة ، والتهمة ، والتعييب ، والتشنيع ، والشتم ، والإهانة ، ولا شك في انّ معصيته أكبر ووزره أعظم . ولذلك بادر الفقهاء إلى رسم حدود حكم الغيبة بعدة قيود وتعاريف من أجل تمييزها عن المفاهيم المتداخلة الأخرى ، لا لتقديم تعريف منطقي كامل . وهكذا بامكاننا القول انّ الغيبة ذات مفهوم واحد وهو المفهوم اللغوي ، وقد أشار الفقهاء إلى نفس هذا المفهوم من خلال العناوين والشروط الخاصة . ولكن لا بد لنا أن نعلم بأنّ الفقهاء ليس لديهم رأي واحد في قضية حرمة الغيبة بجميع مصاديقها ، وربما أضاف البعض قيدا للحرمة في بعض المصاديق أو حذف البعض الآخر قيدا .