الشيخ محمد رضا مهدوي كني

406

البداية في الأخلاق العملية

الاسلام ليس من منطلق الملكية فحسب ، وانما أيضا من منطلق احترام ما لدى الافراد من شؤون معنوية وشخصية انسانية ، ولذلك يعدّ هتك حرمة البيوت هتكا لحدود الانسان واعتداء عليه لا مجرد كونه اعتداء على ممتلكاته وأمواله . أي انّ المهم هنا ، هو شرف الانسان وكرامته ، لا قيمة الأموال المتعلقة به . وفي سورة النور التي تتحدث أغلب آياتها عن الشؤون المعنوية للانسان وكرامته ، تعاليم رائعة بهذا الشأن منها : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ « 1 » . وبيّن اللّه تعالى في هذه الآيات بعض آداب المعاشرة التي لا بد من التأدب بها ، لأنّ عدم رعاية هذه التعاليم الاجتماعية يلحق الضرر بالعفّة العامة ويؤدي إلى التدخل والتجسس في الحياة الخاصة لأفراد المجتمع وهو ما يعدّ خلافا للأخلاق الاسلامية . فالاسلام حريص على هذا الجانب إلى درجة انه يأمر من يدقّ باب بيت من البيوت ان ينتحي جانبا ثم يدق . وهذا ما نشاهده في قول الرسول لأحد أصحابه ويدعى ابا سعيد : « لا تستأذن وأنت مستقبل الباب » « 2 » . وورد أيضا : « انه عليه الصلاة والسّلام كان إذا اتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء

--> ( 1 ) النور / 27 و 28 . تبدأ سورة النور بذكر حد الزنا ، والقذف ، واللعان ، وتحريم الإشاعة ، ووجوب الحجاب ، والنهي عن النظر إلى غير المحارم ، والنهي عن الدخول إلى حدود الحياة الشخصية للناس ، ومنع اكراه الإماء على البغاء والفحشاء ، وآداب دخول وخروج الأبناء على الآباء والأمهات ، وتنتهي بتعاليم احترام مقام الرسالة وشؤون النبوة . ورغم انّ هذه التعاليم تشتمل على احكام حقوقية وفقهية ، ولكن طابعها العام والدافع الأساسي لها أوسع من ذلك ، وعلى علاقة باحترام انسانية الانسان . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ، ج 23 ، ص 198 .