الشيخ محمد رضا مهدوي كني

351

البداية في الأخلاق العملية

ولماذا يستوجب المتهاجران لعنة اللّه تعالى ؟ فقد قال المفضل انه سمع الإمام الصادق عليه السّلام يقول : « لا يفترق رجلان على الهجران إلّا استوجب أحدهما البراءة واللعنة ، وربّما استحقّ ذلك كلاهما » « 1 » . ولماذا يضع الإمام الصادق عليه السّلام مالا بين يدي المفضل لفضّ النزاعات بين أصحابه ومريديه والاصلاح فيما بينهم ؟ ولماذا يعدّ صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام ؟ ولماذا ؟ ولماذا . . . ؟ . ورغم انّ الإجابات على هذه التساؤلات ستقدم ضمن موضوع « الانتصار في ظل الاتحاد » ، ولكن لا بأس من الإشارة إليها هنا أيضا . فلو فكّر أحد في العوامل التي تقف خلف عظمة أمة من الأمم ورفعتها وشموخها ، لأدرك انّ حالة الوئام والصلح والانسجام السائدة بين افرادها ، هي التي تقع خلف كل ذلك . أما إذا لم تسارع الأمة إلى حل النزاعات الجزئية والاختلافات البسيطة القائمة بين الافراد ، ولم يبادر أحد إلى الاصلاح فيما بين المتنازعين ، فلا بد أن تشتد تلك النزاعات وتأخذ طابع العداء ، ثم يتجذر هذا العداء شيئا فشيئا مما يؤدي بالتالي إلى تشتت افراد المجتمع وتمزقهم ، وحينئذ يساوي ذلك التشتت والتمزق السقوط والشقاء والاندحار الكامل . ومن هنا تبرز ضرورة احتواء أي مشكلة تبرز بين أيّ طرفين . وعلى طرفي الدعوى المبادرة إلى الاعتذار ومدّ يد التصالح وعدم السماح للمشكلة بالتوسع والتعقد ابدا ، إذ قال الإمام الصادق عليه السّلام : « لا يفترق رجلان على الهجران إلّا استوجب أحدهما البراءة واللعنة وربما استحق ذلك كلاهما » فقال له أحد أصحابه : « جعلني اللّه فداك هذا الظالم ، فما بال المظلوم ؟ » فأجابه عليه السّلام : « لأنه لا يدعو أخاه إلى صلته ولا يتغامس له عن كلامه » « 2 » .

--> ( 1 ) أصول الكافي ، ج 2 ، ص 344 ، ح 1 . ( 2 ) نفس المصدر .