الشيخ محمد رضا مهدوي كني
143
البداية في الأخلاق العملية
والانتقام في اطار التعاطف . وقد يشتبه هذا الأمر عليه أيضا ؛ ولكن مع شيء من التأمل والتدقيق يظهر انّ الباعث الأساسي ليس التعاطف أبدا . فلو قال مثلا : مسكين فلان انه غارق حتى اذنيه في الخطيئة ، نسأل اللّه ان ينقذه ! فإنه بهذه العبارة التي أخذت طابع التعاطف وصيغة الدعاء حاول ان ينال من ذلك الشخص ، وهو عمل اغتيابي ولا شك ، بل ويعدّ نمطا من الرياء والنفاق أيضا ! ولا شك في انّ الشيطان هو المحرض الأول على مثل هذا الكلام ، وقد دفعه للاغتياب بحجة التعبير عن التعاطف ، بينما قد ارتكب في الحقيقة ذنبا لم يبق له شيئا من الأجر . وهناك عوامل أخرى تقف خلف الغيبة أيضا نغضّ الطرف عنها مراعاة للايجاز . الغيبة الجائزة رغم انّ الغيبة ، احدى المعاصي الكبيرة التي نهى عنها القرآن الكريم والأحاديث بشدة ، إلّا انّ هناك بعض الحالات المستثناة من هذه العمومية ، ولا تعدّ الغيبة فيها معصية وحراما . ونظرا لما يتميز به هذا الموضوع من أهمية خاصة ، لهذا لو أردنا ان نبحثه من جميع جوانبه ونركز على ما فيه من نقاط دقيقة ، لكنا بحاجة إلى فرصة أخرى ومجال أوسع . ولا بد لنا هنا من استعراضه بشكل موجز والإشارة إلى أهم ما فيه من نقاط . ولا بد في بادئ الأمر من القول بأنّ الغيبة لمّا كانت من المعاصي الكبيرة ، وبما انها عمل في منتهى القبح والبشاعة ، فينبغي ان تحظى الحالات التي يسمح فيها بالغيبة بأهمية خاصة ، كي يكون بامكانها مجابهة مفسدة الغيبة والتعتيم عليها . ولا بد ان تتم عملية التمييز بين الأهم والمهم وترجيح شيء على شيء آخر ، على أساس المعايير المعتبرة الصحيحة التي يرضى بها اللّه سبحانه . من الطبيعي ، ليس بامكان المعايير القائمة على الظن والوهم ، والناشئة في بعض