الشيخ محمد رضا مهدوي كني
117
البداية في الأخلاق العملية
بعض الغموض والالتباس : أ - مما لا شك فيه انه لا يمكن الاعتقاد بحرمة مطلق الظن ، وبدون قيد أو شرط ، لأنّ الانطباعات الذهنية التي تتطبع في الذهن من خلال تعامل الانسان اليومي مع ما يدور حواليه ، أمر قهري وطبيعي ، وخارج عن دائرة اختيار الانسان . ومثل هذه الانطباعات لا يمكن ان تتصف بالحسن أو القبح التكليفي والأخلاقي ، ولا يتعلق بها الأمر والنهي ، ما لم تتدخل إرادة الشخص نفسه في ظهورها ويوفّر مقدماتها عن اختياره ، وما لم يسع لترتيب أثر السوء عليها ، ككون التجسس مقدمة لظهور حالة سوء الظن ، أو اتخاذ مجرد الظن واسطة لاتهام الآخرين . ففي مثل هذه الظروف ، يعود سوء الظن إلى دائرة الاختيار ، إذ يعدّ ظاهرة اختيارية نظرا لاختيارية المقدمات في الحالة الأولى واختيارية ترتيب الأثر في الحالة الثانية ، ولا يعدّ ظاهرة قهرية وطبيعية . وثبت في العلوم العقلية انّ « الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار » ، أي انّ اللاختيار إذا كان قائما على الاختيار فإنه لا يتعارض مع الاختيار . فلو ألقى أحد بنفسه من مكان مرتفع ثم مات فإنه مجرم حتى وان شعر بالندم في حال السقوط ، لأنّه ألقى بنفسه في بادئ الأمر عن اختيار وإرادة ، فتنطبق عليه الاختيارية من وجهة نظر العقلاء وبالتالي يعدّ مذنبا ومرتكبا لأمر حرام . كما يعدّ مذنبا وعاصيا من يواصل عملا غير اختياري بإرادته واختياره وان كان ذلك العمل ، غير اختياري في بادئ الامر ، كما لو وقعت عين أحدهم صدفة على غير المحارم ، فإنه غير مذنب في هذه الحالة ، إلّا انه لو واصل ذلك النظر عدّ مذنبا ، لأنّ تلك المواصلة قائمة على الاختيار . ولذلك يقول الإمام الصادق عليه السّلام : « أوّل النّظر لك ، والثانية عليك ولا لك ، والثالثة فيها الهلاك » « 1 » . اذن ، لا بد من تفادي مقدمات سوء الظن من التجسس واستماع الإشاعات .
--> ( 1 ) سفينة البحار ، ج 2 ، ص 597 .