الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي
246
معجم المحاسن والمساوئ
فتصدّق بثمنه ، ولقد نظر عليه السّلام يوم عرفة إلى قوم يسألون الناس فقال : ويحكم أغير اللّه تسألون في مثل هذا اليوم إنّه ليرجى في هذا اليوم لما في بطون الحبالى أن يكون سعيدا ولقد كان عليه السّلام يأبى أن يؤاكل امّه ، فقيل له : يا ابن رسول اللّه أنت أبرّ الناس وأوصلهم للرحم فكيف لا تؤاكل امّك ؟ فقال : إنّي أكره أن تسبق يدي إلى ما سبقت عينها إليه ، ولقد قال له رجل : يا ابن رسول اللّه إنّي لاحبّك في اللّه حبّا شديدا ، فقال : اللّهمّ إني أعوذ بك أن احبّ فيك وأنت لي مبغض ، ولقد حجّ على ناقة له عشرين حجّة فما قرعها بسوط ، فلمّا نفقت أمر بدفنها لئلّا يأكلها السباع ، ولقد سئلت عنه مولاة له فقالت : اطنب أو أختصر ؟ فقيل لها : بل اختصري ، فقالت : ما أتيته بطعام نهارا قطّ ، وما فرشت له فراشا بليل قطّ ، ولقد انتهى ذات يوم إلى قوم يغتابونه فوقف عليهم ، فقال لهم : إن كنتم صادقين فغفر اللّه لي ، وإن كنتم كاذبين فغفر اللّه لكم ، وكان عليه السّلام إذا جاءه طالب علم فقال : مرحبا بوصيّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ثمّ يقول : إنّ طالب العلم إذا خرج من منزله لم يضع رجليه على رطب ولا يابس من الأرض إلّا سبّحت له إلى الأرضين السّابعة ، ولقد كان يعول مائة أهل بيت من فقراء المدينة ، وكان يعجبه أن يحضر طعامه اليتامى والأضرّاء والزمنى والمساكين الّذين لا حيلة لهم ، وكان يناولهم بيده ، ومن كان منهم له عيال حمل له إلى عياله من طعامه ، وكان لا يأكل طعاما حتّى يبدأ فيتصدّق بمثله ، ولقد كان تسقط منه كلّ سنة سبع ثفنات من مواضع سجوده لكثرة صلاته وكان يجمعها فلمّا مات دفنت معه ، ولقد بكى على أبيه الحسين عليه السّلام عشرين سنة وما وضع بين يديه طعام إلّا بكى حتّى قال له مولى له : يا ابن رسول اللّه أما آن لحزنك أن ينقضي ؟ فقال له : ويحك إنّ يعقوب النبيّ عليه السّلام كان له اثنا عشر ابنا فغيّب اللّه عنه واحدا منهم فابيضّت عيناه من كثرة بكائه عليه ، وشاب رأسه من الحزن ، واحدودب ظهره من الغمّ ، وكان ابنه حيّا في الدّنيا ، وأنا نظرت إلى أبي وأخي وعمّي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي فكيف ينقضي حزني » .