الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي

430

معجم المحاسن والمساوئ

كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنعمتك ، وكم من جريرة تكرّمت عن كشفها بكرمك . إلهي إن طال في عصيانك عمري ، وعظم في الصحف ذنبي فما أنا مؤمّل غير غفرانك ، ولا أنا راج غير رضوانك » . فشغلني الصوت ، واقتفيت الأثر ، فإذا هو عليّ بن أبي طالب بعينه . فاستترت لأسمع كلامه وأخملت الحركة ، فركع ركعات في جوف الليل الغابر ثمّ فرغ إلى الدعاء والتضرّع والبكاء والبثّ والشكوى ، فكان ممّا ناجى به اللّه عزّ وجلّ أن قال : « اللّهمّ إنّي أفكّر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي ، ثمّ أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليّ بليّتي - ثمّ قال : - آه إن قرأت في الصحف سيّئة أنا ناسيها وأنت محصيها فتقول : خذوه ، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ، ولا تنفعه قبيلته ، ترحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء - ثمّ قال : - آه من نار تنضج الأكباد والكلى ، آه من نار نزّاعة للشوى ، آه من غمرة في ملهبات لظى » . ثمّ أمعن في البكاء فلم أسمع له حسّا ولا حركة فقلت : غلب عليه النوم لطول السهر ، أوقظه لصلاة الفجر ، قال أبو الدرداء : فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحرّكته فلم يتحرّك ، وزويته فلم ينزو ، فقلت : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، مات واللّه عليّ بن أبي طالب ، فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم ، فقالت فاطمة : يا أبا الدرداء ما كان من شأنه وقصّته ؟ فأخبرتها الخبر ، فقالت : هي واللّه يا أبا الدرداء الغشية الّتي تأخذه من خشية اللّه تعالى ثمّ أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق ، ونظر إليّ وأنا أبكي فقال : « ما بكائك يا أبا الدرداء ؟ - فقلت : ممّا أراه تنزله بنفسك فقال : - يا أبا الدرداء ، فكيف لو رأيتني وقد دعي بي إلى الحساب ، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب ، واحتوشتني ملائكة غلاظ شداد وزبانية فظاظ ، وأوقفت بين يدي الجبّار ، وقد أسلمني الأحبّاء ورحمني أهل الدنيا ، لكنت أشدّ رحمة لي بين يدي من لا يخفى عليه خافية » . قال أبو الدرداء : فو اللّه ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله . ورواه في « مناقب ابن شهرآشوب » ج 2 ص 124 .