الشيخ علي المشكيني

154

تحرير المواعظ العددية فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين

وهو أحكم أهل الأرض . وعن أبي جعفر عليه السّلام قال : لمّا وعظ لقمان ابنه قال : أنا منذ سقطت إلى الدّنيا استدبرت الدّنيا واستقبلت الآخرة ، فدار أنت إليها تسير أقرب من دار أنت عنها متباعد . يا بنيّ ، لا تطلب من الأمر مدبرا ولا ترفض منه مقبلا ؛ فإنّ ذلك يفسد الرأي ، ويزري « 1 » بالعقل . يا بنيّ ليكن ممّا تستظهر « 2 » به على عدوّك الورع عن المحارم ، والصيانة لمروّتك ، والإكرام لنفسك أن لا تدنّسها « 3 » بمعاصي الرحمن ، ومساوي الأخلاق ، وقبيح الأفعال ، فاكتم سرّك ، وأحسن سيرتك ؛ فإنّك إذا فعلت ذلك أمنت - بستر اللّه - أن يصيب عدوّك منك عورة ، أو يقدر منك على زلّة ، ولا تأمن مكره ، واستصغر الكثير في طلب المنفعة ، واستعظم الصغير في ركوب المضرّة . يا بنيّ ، لا تجالس الناس بغير طريقتهم ، ولا تحملنّ عليهم فوق طاقتهم ، فلا يزال خليلك يعضدك ، والمحمول عليه فوق طاقته مجانبا لك ، فإذا أنت فرد لا صاحب لك يؤنسك ، ولا أخ لك يعضدك ، فإذا بقيت وحدك كنت مخذولا ، وصرت ذليلا ، ولا تعتذر إلى من لا يحبّ أن يقبل لك عذرا ولا يرى لك حقّا ولا تستعن في أمورك إلّا بمن يحبّ أن يتّخذ في قضاء حاجتك أجرا ؛ فإنّه إذا كان كذلك طلب قضاء حاجتك لك كطلبه لنفسه ؛ لأنّه بعد نجاحها لك كان ربحا في الدّنيا الفانية وحظّا وذخرا لك في الدار الباقية فيجتهد في قضائها لك ، وليكن إخوانك وأصحابك الّذين تستخلفهم وتستعين بهم على أمورك

--> ( 1 ) . زرى عليه عمله : إذا عابه وعنّفه . والزاري بالإنسان : الذي لا يعدّه شيئا وينكر عليه فعله ( لسان العرب : 14 / 456 ) . ( 2 ) . استظهر به : استعان ( لسان العرب : 4 / 525 ) . ( 3 ) . الدّنس : الوسخ . ودنّس الرجل عرضه : إذا فعل ما يشينه ( لسان العرب : 6 / 88 ) .