الشيخ علي المشكيني
153
تحرير المواعظ العددية فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين
عن تفسيره . وكان يكثر مجالسة الحكماء ، ويتواضع لهم ، ويغشى القضاة والملوك والسلاطين ، فيرثي للقضاة بما ابتلوا ، ويرحم الملوك والسلاطين لعدّتهم « 1 » واغترارهم باللّه وطمأنينتهم إلى الدّنيا ، وميلهم إليها وإلى زهرتها « 2 » فيفكّر في ذلك ، ويعتبر ويتعلّم ما يغلب به نفسه ، ويجاهد هواه ويحترز به من الشّيطان ، وكان لا يصغي إلّا فيما ينفعه ، ولا ينطق إلّا فيما يعنيه ، فبذلك أوتي الحكمة ، ومنح العصمة . وإنّ اللّه تعالى أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النهار وهدأت « 3 » العيون بالقائلة ، فنادوا لقمان من حيث يسمع كلامهم ولا يراهم ، فقالوا : يا لقمان ! هل لك أن يجعلك اللّه خليفة تحكم بين الناس ؟ فقال لقمان : إن أمرني ربي بذلك فسمعا وطاعة ؛ لأنّه إن فعل ذلك بي أعانني وأغاثني وعلّمني وعصمني ، وإن هو عزّ وجلّ خيّرني قبلت العافية . فقالت الملائكة : ولم يا لقمان ؟ فقال : الحكم بين الناس شرّ المنازل من الدين ، وأكثره فتنا وبلايا ، يخذل صاحبه ولا يعان ويغشاه الظلم من كلّ مكان ، وصاحبه من بين أمرين : إن أصاب فيه الحقّ فبالحريّ أن يسلم ، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنّة ، ومن يكن ذليلا ووضيعا بين الناس لا يعرف كان أهون عليه في المعاد ، وأقرب إلى الرشاد من أن يكون فيها جليلا ، ومن اختار الدّنيا على الآخرة يخسرهما كلتيهما ؛ تزول عنه هذه ، ولا يدرك تلك . قال : فعجب الملائكة من حكمته ، واستحسن الرحمن منطقه ، فلمّا أمسى وأخذ مضجعه من الليل أنزل اللّه عليه الحكمة فغشّاه بها ، فاستيقظ
--> ( 1 ) . العدّة - بالضمّ - : الجماعة ، والاستعداد للحوادث . ( 2 ) . زهرة الدنيا : حسنها وبهجتها ( العين : 4 / 13 ) . ( 3 ) . هدأت : أي سكنت ونامت .