محمد الغزالي

60

خلق المسلم

ووفاء الإنسان بهذا العهد أساس كرامته في الدنيا ، وسعادته في الأخرى . ومن سوء الظن باللّه أن توفي له ثم تتوقّع الشر منه : اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ « 1 » . وقد كان رسول اللّه - وهو يدعو الناس إلى الإسلام - يبايع الوفود المقبلة عليه بتعاليم - يتخيرها من بين التعاليم الكثيرة التي حفل بها الدين - على حسب ما يرى من طاقتهم النفسية والعقلية . فعن عوف بن مالك قال : « كنا عند النبي - تسعة أو ثمانية أو سبعة - فقال : ألا تبايعون رسول اللّه ؟ فبسطنا أيدينا وقلنا : نبايعك يا رسول اللّه ! قال : على أن تعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئا ، وتصلوا الصلوات الخمس ، وتسمعوا وتطيعوا ، وأسرّ كلمة خفية قال : ولا تسألوا الناس شيئا . قال عوف بن مالك : فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم ، فما يسأل أحدا أن يناوله إياه » « 2 » . فانظر إلى الوفاء بالبيعة ودقة تنفيذها . وليس هذا إلّا نصحا لكل طائفة بما تعتبر أحوج إليه . فالحاكم ينصح ألّا يظلم . والتاجر ألّا يغش . والموظف ألّا يرتشي . . . إلخ . وإلا فكل « 3 » مسلم مكلف بالدين كله . . وقد ظهرت في بلاد الإسلام فرق تعطي عهودا خاصة ، لا ينبغي الاكتراث بها . فهم كأدعياء الطب الذين يصفون الأدوية المزوّرة فلا تزيد المرضى إلا سقاما . وتعاليم الإسلام كلّ لا يتجزأ . والعمل بها واجب محكم ، في كل زمان ومكان . * * * وقد بايع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الأنصار : على أن يجندوا أنفسهم وأموالهم لحماية دعوته ، وحراسة رسالته ، حتى يستطيع إبلاغها للعرب ومن وراءهم .

--> ( 1 ) البقرة : 40 . ( 2 ) مسلم . ( 3 ) تعقيب على صدر الموضوع .