محمد الغزالي
61
خلق المسلم
والعهد الذي قطعه الأنصار على أنفسهم يعدّ ألمع المواثيق في تاريخ العقائد وأدلها على التجرد للّه ، والفناء في الحق . وقد تم في ليلة رائعة من موسم الحج ، وعاد الناس بعدها يعالجون شؤونهم المختلفة ، غير أن تبعات هذا العهد لزمت أصحابه ، فقبلوها عن سماحة وطواعية . وقدّموا دماءهم سهلة في معركة « بدر » وما أعقبها من قتال بين الإسلام والوثنية . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - في الأزمات العضوض - يعتمد على هذا الموثق لنصرة الدين وإعلاء كلمة اللّه . فلما انكشف المسلمون في الجولة الأولى من معركة « حنين » أهمل رسول اللّه الجموع الكثيرة التي دخلت - بعد - في الإسلام ، وصاح بالأوفياء الذين بايعوه في العقبة ليلة الموسم لينقذوا الموقف . عن أنس قال : « لما كان يوم « حنين » أقبلت « هوازن » و « غطفان » وغيرهم بذراريهم ونعمهم ومع رسول اللّه يومئذ عشرة آلاف ، ومعه الطلقاء . فأدبروا عنه حتى بقي وحده . . ! ! فنادى يومئذ نداءين ، لم يخلط بينهما شيئا ؛ التفت عن يمينه فقال : يا معشر الأنصار ، فقالوا : لبيك يا رسول اللّه ، نحن معك أبشر . ثم التفت عن يساره فقال : يا معشر الأنصار ، فقالوا : لبيك يا رسول اللّه ، أبشر نحن معك . . . وهو على بغلة بيضاء فنزل فقال : أنا عبد اللّه ورسوله . فانهزم المشركون وأصاب غنائم كثيرة . فقسمها بين المهاجرين والطلقاء ، ولم يعط الأنصار منها شيئا . . فقالوا : إذا كانت الشدة فنحن ندعى ويعطى الغنائم غيرنا ؟ فبلغه ذلك فجمعهم ، وقال : يا معشر الأنصار ، ما شيء بلغني عنكم ؟ فسكتوا . فقال : يا معشر الأنصار ، أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - تحوزونه إلى بيوتكم ؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه رضينا . فقال رسول اللّه : « لو سلك الناس واديا ، وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار » « 1 » .
--> ( 1 ) البخاري .