محمد الغزالي

59

خلق المسلم

وعندما يستجمع الإنسان الذهن الواعي ، والقلب الكبير ، فهو أهل الوفاء . * * * والعهود التي يرتبط المسلم بها درجات ، فأعلاها مكانة ، وأقدسها ذماما ، العهد الأعظم ، الذي بين العبد ورب العالمين . فإن اللّه خلق الإنسان بقدرته ، ورباه بنعمته ، وطلب منه أن يعرف هذه الحقيقة ، وأن يعترف بها ، وألا تشرّد به المغويات ، فيجهلها أو يجحدها . أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ « 1 » . وإذا كان هناك من البشر من لم يستمع إلى المرسلين ويستهد بما جاؤوا به ، فإن له من فطرته سائقا يحدوه إلى ربه ، ويبصره بخالقه ، مهما حفلت البيئة بصنوف الفساد ، وضروب التخريف . هذا معنى الميثاق الذي أخذه اللّه على الناس كافة . وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قالُوا : بَلى شَهِدْنا ، أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ : إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا : إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ ، وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ . وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ « 2 » . وليس هناك حوار كما يوهم ظاهر العبارات . وإنما هذا تصوير لاتجاه الفطرة السليمة إلى اللّه وتعرّفها عليه ، وانتفاعها بالدلائل المبثوثة في الكون لتوحيده وتمجيده ، وانفلاتها من التقاليد السفيهة التي تباعد عنه ، أو تشرك به . وهذا الأسلوب شائع على ألسنة العرب : ومنه المثل السائر : « قال الجدار للوتد : لم تشقّني ؟ قال : سل من يدقّني ! فإن الذي ورائي ما خلاني ورأيي ! ! » .

--> ( 1 ) يس : 60 - 61 . ( 2 ) الأعراف : 172 - 174 .