محمد الغزالي

58

خلق المسلم

يوشك أن يذهل عنه . وما أكثر آي القرآن التي تواردت لتصون هذا الذكر . اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ « 1 » . وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً ، قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ « 2 » وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ . ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ « 3 » . كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ « 4 » . والذكر المطّرد اليقظ ، ضرورة لازمة للوفاء . فمن أين لناسي العهد أن يفي به ؟ لذلك ختمت آية العهد بعنصر التذكير : وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا . ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ « 5 » . فإذا ذكر المرء الموثق المأخوذ عليه ، يجب أن ينضم إلى هذا الذكر عزم مشدد على إنفاذه . عزم يذلل الأهواء الجامحة ، ويهون الصعاب العارضة ، عزم يمضي في سبيل الوفاء مهما تجشم من مشاق ، وغرم من تضحيات . وأقدار الرجال تتفاوت تفاوتا شاسعا في هذا المضمار . فإن ثمن الوفاء قد يكون فادحا ، قد يكلف المال أو الحياة أو الأحبة . بيد أن هذه هي تكاليف المجد المنشود في الدنيا والآخرة . لولا المشقة ساد الناس كلّهم * الجود يفقر والإقدام قتّال ولقد استنكر القرآن الكريم على بعض الأفهام أن تطلب العلا بالراحة ، وأن ترقب الخير الكثير بالجهاد اليسير . أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ، مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا ؛ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ : مَتى نَصْرُ اللَّهِ ؟ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ « 6 » .

--> ( 1 ) الأعراف : 3 . ( 2 ) الأنعام : 126 . ( 3 ) الأعراف : 26 . ( 4 ) الأعراف : 57 . ( 5 ) الأنعام : 152 . ( 6 ) البقرة : 214 .