محمد الغزالي
242
خلق المسلم
وهذه سيرة طائشة لا يليق أن يسلكها امرؤ نبيل مع ولي نعمته . * * * ومن الاتعاظ بالزمن دراسة التاريخ العام ، وتتبع آيات اللّه في الآفاق وتدبر أحوال الأمم : كيف تقوم وكيف تنهار ؟ وكيف تتقلب بين ازدهار وانحدار ؟ واللّه عزّ وجلّ يطلب من الناس أن يلتفتوا إلى هذه الأدوار المتعاقبة ، وأن يكون لهم وعي حصيف يوجههم إلى الانتفاع بها . أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ، فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ « 1 » . فالرجل بين حالتين : إما أن تكون له تجارب خاصة يستغلها في تصحيح أفكاره وتدعيم إيمانه ، وإما أن يكون لا علم له ، فليستمع من غيره وليستفد من معارف الآخرين وتجاربهم . أما فتح الأعين على الدنيا المائجة بالأحداث الهائلة دون تفكر أو فقه أو اعتبار فهذا هو العمى والظلام ، وهذا ما لا يليق بمؤمن . إن العمر قصير ، والحاضر الذي يحيا الإنسان في نطاقه ضيق ، والعقل لا يستمد كيانه وتألقه ونفاذه من وراء الانكماش والقصور . بل لا بدّ أن يتعدى مكانه إلى رحاب الملكوت الواسعة ، وزمانه إلى عصور الحياة المتطاولة . . ومن التطواف الممحص هنا وهناك يعود بثروة طائلة من الأفكار والقصص ، والآراء والوقائع تزيد خبرته بالعالم ، وتزيد معرفته برب العالمين ، والإسلام يبني الإيمان الراسخ على هذه الدعائم المكينة من التروي ، والتأمل ، والبحث والتنقيب . من أجل ذلك ندب أبناءه للرحلات الطويلة والسياحات الواسعة ، وحبب إليهم الضرب في مشارق الأرض ومغاربها ، لا للهو واللعب ، ولكن للعلم والإفادة ، لا للتسلية وتزجية الفراغ ، بل للبحث والدرس واستقصاء العبر عن الأحياء والهامدين .
--> ( 1 ) الحج : 46 .