محمد الغزالي

237

خلق المسلم

ويعتبر الذاهلين عن غدهم ، الغارقين في حاضرهم ، المسحورين ببريق الدار العاجلة ، قوما خاسرين سفهاء : إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ . أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ « 1 » . وقد وزع الإسلام عباداته الكبرى على أجزاء اليوم وفصول العام . فالصلوات الخمس تكتنف اليوم كله . وأوقاتها تطّرد مع سيره . والمقرر في الشريعة أن « جبريل » نزل من عند اللّه ليرسم أوائل الأوقات وأواخرها ليكون من ذلك نظام محكم دقيق يرتب الحياة الإسلامية ويقيسها بالدقائق من مطلع الفجر إلى مغيب الشفق : فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ . وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ « 2 » . إن النظر القاصر يعرف من الزمن آثاره المحدودة ، ومظاهره المحسوسة فهو يقول : أشاب الصغير وأفنى الكبير * كر الغداة ومر العشي ويقول : يسر المرء ما ذهب الليالي * وكان ذهابهن له ذهابا لكن الزمن الذي يغضّن « 3 » الجباه ويطوي الآجال ويفني الحضارات ويقف الناس مشدوهين بإزاء عجائبه . هذا الزمن نفسه هو فرصة لإيقاظ الأذكياء لفعل الخير وإسداء المعروف وادّخار ما يجدي . قال تعالى : تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً . وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً « 4 » . فالليل يخلف النهار ، ويخلفه النهار مع حركات الأفلاك الدائرة السائرة ،

--> ( 1 ) يونس : 7 - 8 . ( 2 ) الروم : 17 - 18 . ( 3 ) يجعل فيها الغضون من الكبر . ( 4 ) الفرقان : 61 - 62 .