محمد الغزالي
238
خلق المسلم
ورب العالمين لم يخلق ذلك عبثا . وقبيح بالناس أن يظنوا محياهم في هذا الوجود الرتيب سدى . إنه الميدان الذي أعد للسباق الطويل ، السباق الذي لا يتقدم فيه إلا من يعرف ربه ويذكر حقه ، ويشكر نعمه ، ومن يجعل من تواصل السنين تواصل دأب ونصب لإحراز الراحة الكبرى . أما الذاهلون عن هذه المعاني ، الهائمون وراء منافعهم المعجلة ، فهم حمقى لا ينتصحون من حكمة ، ولا يستفيدون من درس . أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ « 1 » . إن عمرك رأس مالك الضخم . ولسوف تسأل عن إنفاقك منه ، وتصرفك فيه . قال رسول اللّه : « لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيم أفناه ؟ وعن شبابه فيم أبلاه ؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟ وعن علمه ما ذا عمل فيه ؟ » « 2 » . والإسلام نظر إلى قيمة الوقت في كثير من أوامره ونواهيه . فعند ما جعل الإعراض عن اللغو من معالم الإيمان ، كان حكيما في محاربة طوائف المتبطلين الذين ينادي بعضهم بعضا : تعال نقتل الوقت بشيء من التسلية ! ! وما درى الحمقى أن هذا لعب بالعمر ، وأن قتل الوقت على هذا النحو إهلاك للفرد ، وإضاعة للجماعة . * * * ومن الحكم التي تغيب عن بال الجماهير : « الواجبات أكثر من الأوقات » ، « الزمن لا يقف محايدا ، فهو إما صديق ودود ، أو عدو لدود » . ومن كلمات الحسن البصري : ( ما من يوم ينشق فجره إلا نادى مناد من قبل الحق : يا ابن آدم ، أنا خلق جديد ، وعلى عملك شهيد . فتزود مني بعمل صالح فإني لا أعود إلى يوم القيامة ) . وهذه الحكم تنبع من روح الإسلام ومن تفقه تعاليمه العظيمة في الإفادة
--> ( 1 ) التوبة : 126 . ( 2 ) الترمذي .