محمد الغزالي

236

خلق المسلم

الآخرة . . ولكنه إحساس مخدوع مضلل لمن مرت به الأصباح والأمسية وكرت عليه الشهور والدهور ، وغدا وراح ، وتعب واستراح . ومع ذلك فهو في غفلة عن يومه وغده . ظل يعبث ويسترسل في عبثه حتى إذا استرخت أجفانه على عينيه ، ودخل ظلام الموت ، تيقظ بعنف ! وهيهات ! ! لقد صحا بعد فوات الوقت . . . إن شأن الناس في الدنيا غريب : يلهون والقدر معهم جاد ، وينسون وكل ذرة من أعمالهم محسوبة . يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا ، أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ « 1 » . إن المسلم الحق يغالي بالوقت مغالاة شديدة . لأن الوقت عمره ، فإذا سمح بضياعه ، وترك العوادي تنهبه فهو ينتحر بهذا المسلك الطائش . إن الإنسان ليسير حثيثا إلى اللّه . وكل دورة للفلك تتمخض عن صباح جديد ليست إلا مرحلة من مراحل الطريق الذي لا توقف فيه أبدا . أفليس من العقل أن يدرك المرء هذه الحقيقة وأن يجعلها نصب عينيه وهو يستبين ما وراءه وما أمامه ، من الخداع أن يحسب المرء نفسه واقفا والزمن يسير ! إنه خداع النظر حين يخيل لراكب القطار أن الأشياء تجري وهو جالس . والواقع أن الزمن يسير بالإنسان نفسه إلى مصيره العتيد . * * * الإسلام دين يعرف قيمة الوقت ، ويقدر خطورة الزمن ، يؤكد الحكمة الغالية « الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك » . ويجعل من دلائل الإيمان وأمارات التقى أن يعي المسلم هذه الحقيقة ويسير على هداها : إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ « 2 » .

--> ( 1 ) المجادلة : 6 . ( 2 ) يونس : 6 .