محمد الغزالي
219
خلق المسلم
وقال : « من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء » « 1 » . وقال : « طوبى لمن تواضع في غير منقصة ، وذلّ في نفسه من غير مسألة ، وأنفق مالا جمعه في غير معصية ، ورحم أهل الذلة والمسكنة ، وخالط أهل الفقه والحكمة » « 2 » . والذلة في غير مسكنة تعني السكينة للمؤمنين والليونة معهم . وقد وصف اللّه المجتمع المسلم أنه متماسك بهذا العطف المتبادل فقال عن أهله : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ « 3 » وقال : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ « 4 » . وقد تسأل : ما معنى ذكر الشدة في سياق الحديث عن الرحمة ؟ والحق أن الإسلام يوصي بالرحمة العامة لا يستثني منها إنسانا ولا دابة ولا طيرا . والنصوص التي سلفت تؤيد هذا الشمول . بيد أن هناك من الناس والدواب من يكون مصدر خطر على غيره ومثار رعب وفزع ، فيكون من رعاية الصالح العام للجماعة كلها أن يحبس شره ، ويحاصر ضرره . وقد تكون الشدة معه رحمة به كذلك وتقويما لعوجه . والإسلام رسالة خير وسلام وعطف على البشر كلهم . وقد قال اللّه لرسوله : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ « 5 » وسور القرآن الكريم مفتّحة كلها ب « بسم اللّه الرحمن الرحيم » . لكن ذئاب البشر أبوا إلا اعتراض الرحمة المرسلة ، ووضع الجنادل في مجراها حتى تنقطع عن الناس مواردها ، فيهلكوا بعيدا عنها في أودية الحيرة والجهالة . فلم يكن بدّ من إزالة هذه العوائق ، والإغلاظ لأصحابها ، ويوم ينقطع تعرضهم وتحديهم تشملهم هذه الرحمة الجامعة ، فليس في هذه الرحمة قصور ؛ وإنما القصور فيمن حرم نفسه منها ، ألست ترى أن رحمة اللّه وسعت كل شيء ! ومع ذلك فلن ينالها مشرك ولا جحود :
--> ( 1 ) الطبراني . ( 2 ) الطبراني . ( 3 ) المائدة : 54 . ( 4 ) الفتح : 29 . ( 5 ) الأنبياء : 107 .