محمد الغزالي
220
خلق المسلم
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ، وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ « 1 » . كما تقول : هذه القاعة تسع ألف جالس . ولكن لا يؤذن بدخولها إلا لمن يحمل بطاقة ، فإذا رفض البعض حمل البطاقة المعهودة فحرموا من الدخول وبقوا في الخارج ، فليس ذلك قدحا في سعة القاعة . ومثل ذلك قول رسول اللّه : « كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى ، فقالوا : ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى » « 2 » . وقد تأخذ الرحمة الحقة طابع القسوة وليست كذلك . إن الأطفال عندنا يساقون إلى المدارس كرها ، ويحفظون الدروس زجرا . ولو تركوا وأهواءهم لقتلهم اللهو واللعب ولشبوا لا يحسنون صنعا ، ولذلك قال الشاعر : فقسا ليزدجروا ومن يك راحما * فليقس أحيانا على من يرحم والطبيب عندما يجري بالجسم جراحة يستخدم مبضعه لتمزيق اللحم ، وقد يضطر لتهشيم العظام وبتر أعضاء . وما يفعل ذلك إلا رحمة بالمريض ! ! . فليست الرحمة حنانا لا عقل معه ، أو شفقة تتنكر للعدل والنظام . كلا إنها عاطفة ترعى هذه الحقوق جميعا . إن منظر المشنوق وجسمه يتأرجح في الهواء وعيناه تعشقان الضوء وتطلبان النجاة ؛ منظر قد يستدر العطف ، ولو أجيبت هذه العاطفة السريعة ، وأطلق سراح القاتل لامتلأت الأرض فوضى . . والرحمة الحقة في كبت هذا الشعور . وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ « 3 » . إن القسوة التي استنكرها الإسلام جفاف في النفس لا يرتبط بمنطق ولا عدالة . إنها نزوة فاجرة تتشبع من الإساءة والإيذاء ، وتمتد مع الأثرة المجردة والهوى الأعمى . . أما الرحمة فهي أثر من الجمال الإلهي الباقي في طبائع الناس يحدوهم إلى البر ، ويهب عليهم في الأزمات الخانقة ريحا بليلة ترطب الحياة وتنعش الصدور .
--> ( 1 ) الأعراف : 156 - 157 . ( 2 ) البخاري . ( 3 ) البقرة : 179 .