محمد الغزالي
216
خلق المسلم
الرّحمة للرحمة كمال في الطبيعة يجعل المرء يرق لآلام الخلق ويسعى لإزالتها ، ويأسى لأخطائهم فيتمنى لهم الهدى . هي كمال في الطبيعة ؛ لأن تبلد الحس يهوي بالإنسان إلى منزلة الحيوان ويسلبه أفضل ما فيه ، وهو العاطفة الحية النابضة بالحب والرأفة . بل إن الحيوان قد تجيش فيه مشاعر مبهمة تعطفه على ذراريه ، ومن ثمّ كانت القسوة ارتكاسا بالفطرة إلى منزلة البهائم ، بل إلى منازل الجماد الذي لا يعي ولا يهتز . والرحمة في أفقها الأعلى وامتدادها المطلق صفة المولى تباركت أسماؤه ، فإن رحمته شملت الوجود وعمت الملكوت . فحيثما أشرق شعاع من علمه المحيط بكل شيء أشرق معه شعاع للرحمة الغامرة . ولذلك كان من صلاة الملائكة له : رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً ، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ « 1 » . وعن عمر بن الخطاب : قدم على رسول اللّه بسبي فإذا امرأة من السبي تسعى قد تحلّب ثديها . إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألزقته ببطنها فأرضعته . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ قلنا : لا واللّه - وهي تقدر على أن لا تطرحه ! - قال : « فاللّه تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها » « 2 » .
--> ( 1 ) غافر : 7 . ( 2 ) البخاري .