محمد الغزالي
217
خلق المسلم
وكثير من أسماء اللّه الحسنى ينبع من معاني الرحمة والكرم والفضل والعفو . وقد جاء في الحديث القدسي : « إن رحمتي تغلب غضبي » « 1 » ، أي أن تجاوزه عن خطايا البشر يسبق اقتصاصه منهم وسخطه عليهم وبذلك كان أفضل الرحماء : وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ « 2 » . ما ترى في الأرض من تواد وبشاشة وتعاطف وبر أثر من رحمة اللّه التي أودع جزءا منها في قلوب الخلائق ؛ فأرقّ الناس أفئدة أوفرهم نصيبا من هذه الرحمة وأرهفهم إحساسا بحياة الضعفاء . أما غلاظ الأكباد من الجبارين والكازّين والمستكبرين فهم في الدرك الأسفل من النار . وفي الحديث : « . . . . إن أبعد الناس من اللّه تعالى القاسي القلب » « 3 » . وكان رسول اللّه يعد جمود العين واستغلاق القلب من الشقاء . ولقد أراد اللّه أن يمتن على العالم برجل يمسح آلامه ، ويخفف أحزانه ، ويرثى لخطاياه ، ويستميت في هدايته ، ويأخذ بناصر الضعيف ، ويقاتل دونه قتال الأم عن صغارها . ويخضد شوكة القوي حتى يرده إنسانا سليم الفطرة لا يضرى ولا يطغى . . فأرسل « محمدا » عليه الصلاة والسّلام ، وسكب في قلبه من العلم والحلم ، وفي خلقه من الإيناس والبر ، وفي طبعه من السهولة والرفق ، وفي يده من السخاوة والندى ، ما جعله أزكى عباد اللّه رحمة ، وأوسعهم عاطفة ، وأرحبهم صدرا . ولذلك قال فيه : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ « 4 » . وقد لازمته هذه الفضائل العذبة في أعصب الساعات عندما حاول المشركون في « أحد » اغتياله ، وألجأوه إلى حفرة ليكبّ فيها ، ونظر إلى زهرة
--> ( 1 ) مسلم . ( 2 ) المؤمنون : 118 . ( 3 ) الترمذي . ( 4 ) آل عمران : 159 .