محمد الغزالي

204

خلق المسلم

أنس : كان رجل عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فمر رجل ، فقال : يا رسول اللّه إني أحب هذا . قال : أعلمته ؟ قال : لا . قال : فأعلمه ، فلحقه ، فقال : إني أحبك في اللّه . فقال . أحبّك الذي أحببتني له » « 1 » . وقال رسول اللّه : « إذا آخى الرجل الرجل فليسأله عن اسمه واسم أبيه وممن هو ؛ فإنه أوصل للمودة » « 2 » . ولا شك أن لتجانس المزاج والتفكير مدخلا كبيرا في تأسيس الصداقات وتوثيق الأواصر ، وقد قيل : « ربّ أخ لك لم تلده أمك » . فقد يلتقي المرء في زحام الحياة بمن يحس سرعة التجاوب معه والانجذاب إليه . وكأنما سبقت المعرفة به من سنين . وهذا مصداق الحديث : « الأرواح جنود مجنّدة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » « 3 » . لكن هذه العاطفة يجب أن يحكمها سلطان العقيدة ، ونظامها ؛ هذا السلطان الذي يستوحيه المؤمن في اتجاهات قلبه كلها ، فيجعله يحب في اللّه من لم يطالع لهم وجها ، لبعد الشقة أو لسبق الزمن . ويكره كذلك من لم يخالطهم في حضر أو سفر ، لا لشيء إلا لأنه يود الأخيار ويكره الأشرار ، واتجاهات القلب على هذا النحو الخالص ترفع صاحبها درجات فوق منزلته . عن أبي ذر : قلت : يا رسول اللّه ، الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل عملهم . قال : « أنت يا أبا ذر مع من أحببت » . « 4 » ومن سنن الإسلام في الصداقة أنّ التزاور يجب أن يكون خاليا من كل غرض ، خالصا لوجه اللّه . عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أن رجلا زار أخا له في قرية فأرصد اللّه تعالى على مدرجته ملكا . فلما أتى عليه قال : أين تريد ؟ قال : أريد أخا لي في هذه القرية . قال : هل لك عليه من نعمة تربّها . قال : لا . غير أني أحببته في

--> ( 1 ) أبو داود . ( 2 ) الترمذي . ( 3 ) البخاري . ( 4 ) الترمذي .