محمد الغزالي

193

خلق المسلم

ووقوع هذه المفسدة ضرر أبلغ ، فيرتكب أخف الضررين ! ! ألا ترى الطبيب لا يقدم على جراحة بالجسم إلا إذا رأى الجسم يطيق إجراءها ؟ فإذا رأى فيها خطرا على الحياة توقف ، ولو بقيت العلة . وكان رسول اللّه يبايع الأنصار « على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره . وعلى أثرة علينا . . . » « 1 » . يعني أن المرء الصالح ينبغي ألا يكترث لفقدان حظه من الدنيا ، فإذا أهمل في إسناد منصب ، أو بخس في تقدير راتب لم يملأ الآفاق صياحا وشغبا ، فإن الغضب للدنيا على هذا النحو الشائن شيمة المنافقين الذين قال اللّه فيهم : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ ، فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ « 2 » . ولو غلغلت النظر في كثير من الانقسامات لرأيت حب الدنيا ، والأثرة العمياء تكمن وراء هذه الحزازات . . . والاتحاد قوة . . . وليس ذلك في شؤون الناس فقط ، إنه قانون من قوانين الكون . فالخيط الواهي إذا انضم إليه مثله أضحى حبلا متينا يجر الأثقال . وهذا العالم الكبير ما هو إلا جملة ذرات متحدة ! وقد شرح حكيم لأولاده هذا المعنى عند وفاته ليلقنهم درسا في الاتحاد ، قدم إليهم حزمة من العصي قد اجتمعت عيدانها ، فعجزوا عن كسرها ، فلما انفك الرباط وتفرقت الأعواد كسرت واحدا واحدا . تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا * وإذا افترقن تكسرت آحادا إن الشقاق يضعف الأمم القوية ، ويميت الأمم الضعيفة . . . ولذلك جعل اللّه أول عظة للمسلمين - بعد ما انتصروا في معركة « بدر » - أن يوحدوا صفوفهم ، ويجمعوا أمرهم . لمّا تطلعت النفوس للغنائم ، تشتهي حظها وتتنافس على اقتسامها ، نزل قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ؟ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ

--> ( 1 ) مسلم . ( 2 ) التوبة : 58 .