محمد الغزالي
183
خلق المسلم
تنافسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد اللّه إخوانا كما أمركم اللّه تعالى . . . المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يحقره ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم . كل المسلم على المسلم حرام : ماله ودمه وعرضه . . . . إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم . . التقوى هاهنا . التقوى هاهنا . التقوى هاهنا - ويشير إلى صدره - ألا لا يبع بعضكم على بيع بعض ؛ وكونوا عباد اللّه إخوانا . . . ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث » « 1 » . في المجتمع المتحاب بروح اللّه الملتقي على شعائر الإسلام ، يقوم إخاء العقيدة مقام إخاء النسب ، وربما ربت رابطة الإيمان على رابطة الدم . والحق أن أواصر الأخوة في اللّه هي التي جمعت أبناء الإسلام أول مرة ، وأقامت دولته ، ورفعت رايته ، وعليها اعتمد رسول اللّه في تأسيس أمة صابرت هجمات الوثنية الحاقدة وسائر الخصوم المتربصين ، ثم خرجت بعد صراع طويل وهي رفيعة العماد وطيدة الأركان ، على حين ذاب أعداؤها وهلكوا . إن الأمور تذكر بأضدادها ، وفي عصرنا هذا يذكرنا تجمع اليهود حول باطلهم وتطلعهم إلى إقامة ملك لهم ، ومجيئهم من المشرق والمغرب نافرين إلى الأرض المقدسة ، تاركين أوطانهم الأولى وما ضمت من ثروات وذكريات ، يذكرنا هذا الانبعاث عن عقيدة باطلة بالانبعاث الأغر الذي وقع من أربعة عشر قرنا ، حين يمّم المسلمون من كل فج شطر « يثرب » وهاجروا من مواطنهم الأولى إلى الوطن الذي اختاروه ليقيموا فيه أول دولة للإسلام . . . كانت المدينة التي احتضنت الإسلام ومجدت كلمته تقيم العلاقات بين القاطنين والوافدين على التباذل في ذات اللّه ، والإيثار عن سماحة رائعة ، والمساواة بين الأنساب والأجناس ، وتبادل الاحترام والحب ، وإشاعة الفضل وتقديس الحق ، وإسداء المعروف عن رغبة فيه لا عن تكليف به : قال اللّه عزّ وجلّ : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، يُحِبُّونَ مَنْ
--> ( 1 ) مسلم .