محمد الغزالي

174

خلق المسلم

قد يكون في الحياء شيء من التخوف ، بيد أنّه تخوف الرجل الفاضل على مكارمه ومحامده أن تذهب ببهائها الأوضاع المحرجة . وهذا التخوف يقارن الجراءة في مواطنها المحمودة . فعند ما نكص اليهود قديما عن محاربة الجبارين النازلين بالأرض المقدسة : قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ، ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ « 1 » . فهؤلاء الذين يتقون اللّه ويخافون العار ويستحيون من الفرار ، هم الذين لو وقع قتال لقادوا الهجوم وقربوا الفتح . ولا شك أن الحياء الكامل يسبقه استعداد فطري ممهد . فإن هناك طبائع تكاد الصفاقة تكون لازمة لها ، في الوقت الذي ترى فيه بعض الناس شديد الخجل مرهف الإحساس إلى حد بعيد . لكن الخجل - مع أنه العنصر البارز في الحياء - يقع في الخير والشر . وقد يجر صاحبه إلى ورطات سيئة . أما الحياء فلا يكون إلا في الحدود المشروعة فالذي يتهيب تقريع المبطلين لا يعتبر حييا ! إن الحياء لا يكون تجاه الباطل . ولا موضع له مع الناس إذا ضلوا . ولا موضع له في السلوك عندما يقف المرء موقفا يناصر فيه الحق . . . وقد عاب المشركون على الإسلام أنه حقر الأصنام . وفضح عجزها عن خلق ذبابة . بل عن حماية نفسها لو هاجمتها ذبابة . وقالوا : إنه ليس من الحياء أن تهاجم آلهتهم بهذا الأسلوب . . . فنزل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ : ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ؟ « 2 » . فإبراز الأصنام في هذه الصورة من العجز والضعة حق : « واللّه لا يستحي من الحق » . وفي سبيل إحقاق الحق لا يتهيب المسلم أحدا ولا يخشى بأسا . * * * والحياء في أسمى منازله وأكرمها يكون من اللّه عز وجل ، فنحن نطعم

--> ( 1 ) المائدة : 23 . ( 2 ) البقرة : 26 .